الثلاثاء، 28 يناير، 2014

نقولات مختارة من كتاب : صيد الخاطر لابن الجوزي رحمة الله تعالى (ت :597)


تعريف موجز بالكتاب :

صيد الخاطر من أشهر كتب ابن الجوزي المولود : سنة 508 أو 509 أو 510 .

وهذا الكتاب روضة غناء ، وارفة الظلال ، دانية القطوف ، متنوعة الثمار .
وهذا الكتاب لا يختص بموضوع أو فن معين ، بل هو متنوع الموضوعات ، متعدد الفنون ؛ ففيه تذكير ، وتحذير ، ونصح وإرشاد ، وتوجيه لأهل العلم والعبادة ، وكلام على الزواج ، وأسراره ، وعلاقة الرجل بالمرأة .
وفيه تحذير من الفتن ، والذنوب ، والمعاصي .
وفيه وعظ يلين القلوب ، ويدنيها من علام الغيوب .
وفيه حث على إصلاح السرائر ، ومراقبة الخلوات ، وتجنب الريب ، والموبقات .
وفيه حديث عن الحكم والمصالح ، والحذر من الغفلة ، إلى غير ذلك مما فيه صلاح المعاش والمعاد .
كل ذلك بعبارة مشرقة ، وبيان خلاب .

نقولات مختارة من كتاب صيد الخاطر :

1- من قارب الفتنة بعدت عنه السلامة ، ومن ادعى الصبر وُكِلَ إلى نفسه ، ورب نظرة لم تناظر (1) ؛ فأصابته بسهم ، أو أوقعته في فتنة .

 .وأحق الأشياء بالضبط والقهر : اللسان ، والعين ؛ فإياك أن تغتر بعزمك على ترك الهوى مع مقاربة الفتنة ؛ فإن الهوى مُكَايد ، وكم من شجاع في صف الحرب اغتيل ، فأتاه ما لم يحتسب ، ممن يأنف النظر إليه . ص 41

2- ما رأيت أعظم فتنة من مقاربة الفتنة ، وقل أن يقاربها إلا من يقع فيها ، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه . ص350

فتبصر ولا تشم كل   برق ...   واغضض الطرف تسترح من غرام
فبلاء الفتى موافقة  النفس ...  رب  برق    فيه  صواعق     حَيْنِ (2)
تكتسي فيه ثوبَ ذلٍّ وشينِ ...  وبدء      الهوى    طموح    العينِ

3- فكل ظالم معاقب في العاجل على ظلمه قبل الآجل ، وكذلك كل مذنبٍ ذنباً ، وهو معنى قوله تعالى : { مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } النساء 123.

وربما رأى العاصي سلامة بدنه ؛ فظن ألا عقوبة ، وغفلته عما عوقب به عقوبة .
وقد قال الحكماء : المعصية بعد المعصية عقاب المعصية ، والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة.
وربما كان العقاب العاجل معنويا ً، كما قال بعض أحبار بني إسرائيل : يا رب ! كم أعصيك ، ولا تعاقبني ؟ فقيل له : كم أعاقبك ، وأنت لا تدري ؟ أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي ؟ ص103 _ 104.

4- الواجب على العاقل أن يحذر مغبة المعاصي ؛ فإن نارها تحت الرماد ، وربما تأخرت العقوبة ، وربما جاءت مستعجِلة . ص339


5- قد تَبْغَتُ العقوبات ، وقد يؤخرها الحلم ، والعاقل من إذا فعل خطيئة بادرها بالتوبة ؛ فكم مغرور بإمهال العصاة لم يمهل .

وأسرع المعاصي عقوبةً ماخلا عن لذة تنسي النُهَى ، فتكون كالمعاندة ، والمبارزة ، فإن كانت اعتراضاً على الخالق ، أو منازعة له في عظمته ، فتلك التي لا تُتلافى ، خصوصا ً إذا وقعت من عارف بالله ؛ فإنه يندر إهماله . ص500


6- أعجب الأشياء اغترار الإنسان بالسلامة ، و تأميله الإصلاح فيما بعد ، وليس لهذا الأمل منتهى ولا للاغترار حد ؛ فكلما أصبح وأمسى معافى زاد الاغترار ، وطال الأمل . ص532

7- نظرت في الأدلة على الحق - سبحانه وتعالى - فوجدتها أكثر من الرمل ، ورأيت من أعجبها : أن الإنسان يخفي مالا ير ضاه الله -عز وجل - فيظهره الله - سبحانه - عليه ، ولو بعد حين ، ويُنْطِق به الألسنة وإن لم يشاهده الناس ، وربما أوقع صاحبه في آفة يفضحه بها بين الخلق ؛ فيكون جوابا ً لكل ما أخفى من الذنوب ؛ وذلك ليعلم الناس أن هنالك من يجازي على الزلل ، ولا ينفع من قَدَرِه وقدرته حجاب ، ولا استتار ، ولا يضاع لديه عمل .
وكذلك يخفي الإنسان الطاعة ، فتظهر عليه ، ويتحدث الناس بها ، وبأكثر منها ، حتى إنهم لا يعرفون له ذنباً ، ولا يذكرونه إلا بالمحاسن ؛ ليُعلم أن هنالك رباً لا يُضِيع عَملَ عاملٍ .
وإن قلوب الناس لتعرف حال الشخص ، وتحبه ، أو تأباه ، وتذمه ، أو تمدحه وَفْقَ ما يتحقق بينه وبين الله - تعالى - فإنه يكفيه كل هم ، ويدفع عنه كل شر .
وما أصلح عبد ما بينه وبين الخلق دون أن ينظر إلى الحق إلا انعكس مقصوده وعاد حامده ذاما ً. ص108 _ 109

8- إن للخلوة تأثيراتٍ تَبِيْنُ في الجلوة ؛ كم من مؤمن بالله - عز وجل - يحترمه عند الخلوات فيترك ما يشتهي حذراً من عقابه ، أو رجاء لثوابه ، أو إجلالاً له ؛ فيكون بذلك الفعل كأنه طرح عوداً هندياً على مجمر ، فيفوح طيبه ، فيستنشقه الخلائق ، ولا يدرون أين هو .
وعلى قدر المجاهدة في ترك ما يهوى تقوى محبته ، أو على مقدار زيادة دفع ذلك المحبوب المتروك يزيد الطيب ، ويتفاوت تفاوت العود .
فترى عيون الخلق تعظم هذا الشخص ، وألسنتهم تمدحه ، ولا يعرفون ولا يقدرون على وصفه ؛ لبعدهم عن حقيقة معرفته .
وقد تمتد هذه الأراييح (3) بعد الموت على قدرها ؛ فمنهم من يذكر بالخير مدة مديدة ، ثم ينسى ، ومنهم من يذكر مائة سنة ثم يخفى ذكره ، وقبره (4) ، ومنهم أعلام يبقى ذكرهم أبداً .
وعلى عكس هذا من هاب الخلق ، ولم يحترم خلوته بالحق ؛ فإنه على قدر مبارزته بالذنوب ، وعلى مقادير تلك الذنوب يفوح منه ريح الكراهة ؛ فتمقته القلوب ؛ فإن قل مقدار ما جنى قل ذكر الألسن له بالخير ، وبقي مجرد تعظيمه وإن كثر كان قصارى الأمر سكوت الناس عنه ، لا يمدحونه ولا يذمونه . ص 301 _ 302

9- إنه بقدر إجلالكم لله - عز وجل - يجلكم وبمقدار تعظيم قدره واحترامه يُعظِّم أقداركم ، وحرمتكم .
ولقد رأيت - والله - من أنفق عمره في العلم إلى أن كبرت سنه ، ثم تعدى الحدود ؛ فهان عند الخلق ، وكانوا لا يلتفتون إليه مع غزارة علمه ، وقوة مجاهدته .
ولقد رأيت من يراقب الله - عز وجل - في صبوته مع قصوره بالإضافة إلى ذلك العالم ؛ فعظم الله قدره في القلوب ، حتى عَلِقَتْهُ (5) ووصفته بما يزيد على ما فيه من الخير .
ورأيت من كان يرى الاستقامة إذا استقام ، وإذا زاغ مال عنه اللطف .
ولولا عموم الستر ، وشمول رحمة الكريم - لافتضح هؤلاء المذكورون ، غير أنه في الأغلب تأديب ، أو تلطف في العقاب . ص336 _ 337

10- في قوة قَهرِ الهوى لذة تزيد على كل لذة ؛ ألا ترى إلى كل مغلوب بالهوى كيف يكون ذليلاً ؛ لأنه قُهِرَ ، بخلاف غالب الهوى ؛ فإنه يكون قوي القلب عزيزاً ؛ لأنه قَهَر .  ص115

11- بالله عليك ! يا مرفوع القدر بالتقوى ، لا تبع عزها بذل المعاصي ، وصابر عطش الهوى في هجير المشتهى ، وإن أمضَّ وأرمضَّ (6) . ص252

12- بالله عليك ! تذوق حلاوة الكف عن المنهي ؛ فإنها شجرة تثمر عز الدنيا وشرف الآخرة ، ومتى اشتد عطشك إلى ما تهوى فابسط أنامل الرجاء إلى من عنده الرِّيُّ الكامل ، وقل :
قَدْ عِيلَ صَبْرُ الطَّبْعِ في سنيّه العجاف ؛ فعجل لي العام الذي فيه أُغاث وأَعْصِر . ص253

13- إخواني ! احذروا لجة هذا البحر ، ولا تغتروا بسكونه ، وعليكم بالساحل ، ولازموا حصن التقوى ؛ فالعقوبة مرة واعلموا أن في ملازمة التقوى مرارات من فقد الأغراض ، والمشتهيات غير أنها في ضرب المثل كالحِمْيَةِ تُعْقِبُ صحة ، والتخليط ربما جلب موت الفجأة . ص315

14- ما من عبد أطلق نفسه في شيء ينافي التقوى - وإن قل - إلا وجد عقوبته عاجلة ، أو آجلة .
ومن الاغترار أن تسيء ؛ فترى إحساناً ؛ فتظن أنك قد سومحت ، وتنسى : { مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } النساء : 123 ص313

15- واعلم أن من أعظم المحن الاغترار بالسلامة بعد الذنب ؛ فإن العقوبة تتأخر ، ومن أعظم العقوبة ألا يحس الإنسان بها ، وأن تكون في سلب الدين وطمس القلوب ، وسوء الاختيار للنفس ؛ فيكون من آثارها سلامة البدن ، وبلوغ الأغراض . ص 314 _ 315

16- فالحذر الحذر من عواقب الخطايا ، والبدارَ البدارَ إلى محوها بالإنابة ؛ فلها تأثيرات قبيحة إن أسرعت ، وإلا اجتمعت ، وجاءت . ص502

17- لو ميز العاقل بين قضاء وطره لحظة ، وانقضاء باقي العمر بالحسرة على قضاء ذلك الوطر - لما قرب منه ، ولو أعطي الدنيا ، غير أن سكرة الهوى تحول بين الفكر وبين ذلك . ص321

18- فأجود الأشياء قطع أسباب الفتن ، وترك الترخص فيما يجوز إذا كان حاملا ًومؤديا ًإلى مالا يجوز . ص351

19- فإياك أن تنظر إلى صورة نعيمهم يعني - أرباب الدنيا - فإنك تستطيبه لبعده عنك ، ولو قد بلغته كرهته ، ثم في ضمنه من محن الدنيا والآخرة مالا يوصف ؛ فعليك بالقناعة مهما أمكن ؛ ففيها سلامة الدنيا والدين .
وقد قيل لبعض الزهاد  وعنده خبز يابس : كيف تشتهي هذا ؟ فقال : أتركه حتى أشتهيه . ص372

20- إخواني ! لنفسي أقول ؛ فمن له شِربٌ معي فَلْيَرِدْ : أيتها النفس ! لقد أعطاكِ الله مالم تؤملي ، وبلَّغكِ مالم تطلبي ، وستر عليك من قبيحك ما لو فاح ضجت المشامُّ (7) فما هذا الضجيج من فوات كمال الأغراض أمملوكة أنتِ أم حرة ؟! أما علمتِ أنك في دار التكليف ؟!
وهذا الخطاب ينبغي أن يكون للجهال ؛ فأين دعواكِ المعرفة ؟!
أتراه لو هبَّت نفحةٌ فأخذتِ البصرَ ، كيف كانت تطيب لك الدنيا ؟!
وا أسفاً عليكِ ! لقد عشيتِ البصيرة التي هي أشرف ، وما علمت كم أقول : عسى ، ولعل ، وأنت في الخطأ إلى قُدام .
قرُبتْ سفينة العمر من ساحل القبر ، ومالكِ في المركب بضاعةٌ تربح ، تلاعبت في بحر العمر ريحُ الضعف ؛ فغرَّقتْ تلفيق القوى ، وكأنْ قد فَصَلَتِ المركب ، بلغتِ نهايةَ الأجل ، وعينُ هواك تتلفَّتُ إلى الصبا !
بالله عليك ، لا تُشْمِتي بكِ الأعداء !
هذا أقل الأقسام ، وأوفى منها أن أقول : بالله عليك لا يفوتنَّكِ قَدَمُ سابقٍ مع قدرتك على قطع المضمار .
الخلوةَ الخلوةَ ، واستحضري قرين العقل ، وجولي في حيرة الفكر ، واستدركي صُبابة الأجل قبل أن تميل بك الصَّبابة (8) عن الصواب .
واعجباً ! كلما صعِد العُمُرُ نزلتِ ! وكلما جدَّ الموتُ هزلتِ !
أتراك ممن خُتم له بِفتنةٍ ، وقضيت عليه عند آخر عمره المحنة ؟!
كان أولُ عُمُركِ خيراً من الأخير ، كنتِ في زمن الشباب أصلح في زمن أيام المشيب...{ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ } العنكبوت:43
نسأل الله - عز وجل - ما لا يحصل إلا به ، وهو توفيقه ؛ إنه سميع مجيب . ص340 _ 342.

21- ولقد تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مائتي ألف ، وأسلم على يدي أكثر من مائتي نفس ، وكم سالت عين متكبر بوعظي لم تكن تسيل ، ويحق لمن تَلمَّحَ هذا أن يرجو التمام .
وربما لاحت أسباب الخوف بنظري إلى تقصيري وزللي .
ولقد جلستُ يوماً فرأيت حولي أكثر من عشرة آلاف ما فيهم إلا مَن رقَّ قلبه ، أو دمعت عينه فقلت لنفسي : كيف بك إن نجوا وهلكتِ ؟! فصحت بلسان وَجْدِي : إلهي وسيدي ! إن قضيت عليَّ بالعذاب غداً فلا تعلمهم بعذابي ؛ صيانة لكرمك ، لا لأجلي ؛ لأن لا يقولوا عَذَّبَ من دلَّ عليه .
إلهي قد قيل لنبيك " اقتل ابن أبيّ المنافق فقال: لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه .
إلهي ! فاحفظ حسن عقائدهم فيَّ بكرمك أن تُعْلِمهم بعذاب الدليل عليك(9) ، حاشاك - والله يارب - من تكدير الصافي . ص340_ 342

22- بلغني عن بعض فساق القدماء أنه كان يقول : ما أرى العيش غير أن تتبع النفس هواها ، فمخطئاً ، أو مصيباً .

فتدبرت حال هذا وإذا به ميت النفس ، ليس له أنفة على عرضه ، ولا خوف عار ، ومثل هذا ليس في مسلاخ (10) الآدميين . ص499

23- قد جاء في الأثر: اللهم أرنا الأشياء كما هي .

وهذا كلام حسن غايةً ، وأكثر الناس لا يرون الأشياء بعينها ؛ فإنهم يرون الفاني كأنه باقٍ ، ولا يكادون يتخايلون زوال ما هم فيه - وإن علموا ذلك - إلا أن عين الحس مشغولة بالنظر إلى الحاضر ، ألا ترى زوال اللذة ، وبقاء إثمها . ص 668

24- تذكرت في سبب دخول جهنم فإذا هو المعاصي ، فنظرت في المعاصي فإذا هي حاصلة في طلب اللذات ، فنظرت في اللذات فإذا هي خِدَعٌ ليست بشيء ، وفي ضمنها من الأكدار ما يصيِّرها نغصاً ، فتخرج عن كونها لذاتٍ ؛ فكيف يتبع العاقل نفسه ، ويرضى بجهنم ؛ لأجل هذه الأكدار ؟. ص684


25- إنما فضل العقل بتأمل العواقب ، فأما القليل العقل فإنه يرى الحال الحاضرة ، ولا ينظر إلى عاقبتها ؛ فإن اللص يرى أخذ المال ، وينسى قطع اليد ، والبطال يرى لذة الراحة ، وينسى ما تجني من فوات العلم ، وكسب المال ؛ فإذا كَبِرَ ، فسئل عن علم لم يدر ، وإذا احتاج سأل ، فذل ؛ فقد أربى ما حصل له من التأسف على لذة البطالة ، ثم يفوته ثواب الآخرة بترك العمل في الدنيا .
وكذلك شارب الخمر يلتذُّ تلك الساعة ، وينسى ما يجني من الآفات في الدنيا ، والآخرة . 
وكذلك الزنا فإن الإنسان يرى قضاء الشهوة ، وينسى ما يجني من فضيحة الدنيا والحد ، وربما كان للمرأة زوج ، فألحقت الحمل من هذا به ، وتسلسل الأمر .
فقس على هذه النبذة ، وانتبه للعواقب ، ولا تؤثر لذة تُفوِّت خيراً كثيرا ً، وصابر المشقة تُحَصِّلْ ربحاً وافراً . ص 754 _ 755

26- من تفكر في عواقب الدنيا أخذ الحذر ، ومن أيقن بطول الطريق تأهب للسفر . ص40

27- رأيت كثيراً من الناس يتحرزون من رَشاسِ نجاسةٍ ، أولا يتحاشَوْنَ من غِيبةٍ ، ويكثِرونَ من الصَّدَقَةِ ولا يُبَالونَ بمعاملاتِ الرَّبا ، ويتهجَّدون بالليل ويؤخِّرون الفريضةَ عن الوقتِ في أشياءَ يطول عدَدُها من حِفظِ فروعٍ وتضييع أصولٍ ؛ فبحثت عن سبب ذلك ، فوجدته من شيئين :
أحدُهُما : العادةُ .
والثاني : غَلَبَةُ الهوى في تحصيل المطلوبِ ؛ فإنه قد يَغْلِبُ فلا يَتْرُكُ سَمعاً ولا بَصراً . ص290

28- مَنْ رُزِقَ قلْبَاً طَيِّبًا ، وَلذَّةَ مناجاةٍ فليراع حالَه ، ولْيَتحَرَّزْ من التغييرِ ، وإنما تدوم حاله بدوام التَّقوى . ص643

29- مِنْ المخاطراتِ العظيمةِ تحديثُ العوامِّ بما لا تَحتمِلُهُ قلوبُهم ، أَو بِما قد رَسَخَ في نفوسِهِم ضدُّه . ص674

30- فَالله الله أَنْ تحدِّث مخلوقاً من العوام بما لا يتحمله دون احتيال وتلطف ؛ فانه لا يزول ما في نفسه ، أو يخاطر المحدِّث له بنفسه . ص675

31- من اقتصر على ما يعلمه ، فظنه كافياً استبد برأيه ، وصار تعظيمه لنفسه مانعاً له من الاستفادة ، والمذاكرةُ تبين له خطأه ، وربما كان معظماً في النفوس فلم يُتَجاسر على الرد عليه ، ولو أنه أظهر الاستفادة لأهديت إليه مساويه ؛ فعاد عنها . ص206 _ 207

32- غير أن اقتصار الرجل على علمه إذا مازجه نوع رؤيةٍ للنفس حبس عن إدراك الصواب ، نعوذ بالله من ذلك . ص208

33- ينبغي للعاقل أن لا يتكلم في الخلوة عن أحد بشيء حتى يمثِّل ذلك الشيء ظاهراً مُعلَناً به ثم ينظر فيما يجني . ص453

34- مما أفادتني تجارِبُ الزمان أنه لا ينبغي لأحد أن يظاهر بالعداوة أحداً
ما استطاع ؛ لأنه ربما يحتاج إليه مهما كانت منزلته .
ولقد احتجتُ في عمري إلى ملاطفة أقوام ما خطر لي قط وقوعُ الحاجة إلى التلطف بهم . ص369

35- اعلم أن المظاهرة بالعداوة قد تجلب أذىً من حيث لا يعلم ، لأن المظاهرَ بالعداوة كشاهر السيف ينتظر مضرباً ، وقد يلوح منه مضربٌ خفيٌّ إن اجتهد المتدرِّع في ستر نفسه ، فيغتنمه ذلك العدو .
فينبغي لمن عاش في الدنيا أن يجتهد في أن لا يظاهر بالعداوة أحداً ؛ لما بيَّنْتُ من وقوع احتياج الخلق بعضهم إلى بعض ، وإقدار بعضهم على ضرر بعض .
وهذا فصل مفيد ، تَبِيْنُ فائدته للإنسان مع تقلب الزمان . ص369 _ 370

36- رأيت من الرأي القويم أن نفع التصانيف أكثر من نفع التعليم بالمشافهة ؛ لأني أشافه في عمري عدداً من المتعلمين ، وأشافه بتصنيفي خلقاً لا تحصى ما خلقوا بعد .
ودليل هذا أن انتفاع الناس بتصانيف المتقدمين أكثر من انتفاعهم بما يستفيدون من مشايخهم . ص386

37- فينبغي للعالم أن يتوفر على التصانيف إن وفق للتصنيف المفيد ؛ فإنه ليس كل من صَنَّفَ صَنَّفَ ، وليس المقصود جمع شيء كيف كان ، وإنما هي أسرار يطلع الله - عز وجل - عليها من شاء من عباده ويوفقه لكشفها ؛ فيجمع ما فُرِّقَ ، أو يرتب ماشُتِّتَ ، أو يشرح ما أهمل ، هذا هو التصنيف المفيد . ص386

38- ومتى رزق العالمُ الغنِى عن الناس والخلوة ؛ فإن كان له فهم يجلب التصانيف ؛ فقد تكاملت لذته ، وإن رزق فهماً يرتقي إلى معاملة الحق ومناجاته فقد تعجل دخول الجنة قبل الممات . ص394

39- فإياك أن تساكن من آذيته ، بل إن كان ولا بد فمن خارج ، فما تؤمن الأحقاد . ص432

40- ومن الخور إظهار العداوة للعدو . ص432

41- ومن أحسن التدبير التلطف بالأعداء إلى أن يمكن كسر شوكتهم ، ولو لم يمكن ذاك كان اللطف سبباً في كفِّ أكفِّهم عن الأذى ، وفيهم من يستحي لحسن فعلك ؛ فيتغير قلبه لك . ص432

42- رأيت أكثر الناس لا يتمالكون من إفشاء سرهم ؛ فإذا ظهر ؛ عاتبوا من أخبروا به .
فوا عجباً ! كيف ضاقوا بحبسه ذرعاً ، ثم لاموا من أفشاه ؟ ! ص433

43- ستر المصائب من جملة السر ، لأن إظهارها يسر الشامت ، ويؤلم المحب . ص434

44- الحازم من عامل الناس بالظاهر ، فلا يضيق صدره بسره ؛ فإن فارقته امرأة أو صديق أو خادم - لم يقدر أحدٌ منهم أن يقول فيه ما يكره . ص435

45- من خلق له عقل ثاقب دلَّه على الصواب قبل الوصايا . ص435

46- ما أبله من لا يعلم متى يأتيه الموت ؛ وهو لا يستعد للقائه ! ص438

47- لقد غفل طلاب الدنيا عن اللذة فيها ، وما اللذة فيها إلا شرف العلم ، وزهرة العفة ، وأنفة الحمَّية ، وعز القناعة ، وحلاوة الإفضال على الخلق . ص442

48- متى رأيت صاحبك قد غضب ، وأخذ يتكلم بما لا يصلح فلا ينبغي أن تعقد على ما يقول خِنصراً - أي لا تأخذ ما يقول بعين الاعتبار - ولا أن تؤاخذه به ؛ فإن حاله حال السكران ، لا يدري ما يجري ، بل اصبر لفورته ، ولا تعول عليها ؛ فإن الشيطان قد غلبه ، والطبع قد هاج ، والعقل قد استتر .
ومتى أخذت في نفسك عليه ، وأجبته بمقتضى فعله كنت كعاقل واجه مجنوناً ، أو كمفيق عاتب مغمىً عليه ، فالذنب لك .
بل انظر بعين الرحمة ، وتلمَّح تصريف القدر له ، وتَفَرَّج في لعب الطبع به ، واعلم أنه إذا انتبه ندم على ما جرى ، وعرف لك فضل الصبر .
وأقل الأقسام أن تسلمه فيما يفعل في غضبه إلى ما يستريح به .
وهذه الحالة ينبغي أن يتعلمها الولد عند غضب الوالد ، والزوجة عند غضب الزوج ؛ فتتركه يشتفي بما يقول ، ولا تعول على ذلك ؛ فسيعود نادما معتذراً .
ومتى قوبل على حالته ، ومقالته ، صارت العداوة متمكنة ، وجازى في الإفاقة على ما فُعِلَ في حقه وقت السكر .
وأكثر الناس على غير هذا الطريق ؛ متى رأوا غضباناً قابلوه بما يقول ويعمل ، وهذا على غير مقتضى الحكمة ، بل الحكمة ما ذكرته { وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ } . ص468 _ 469

49- كل من لا يتلمح العواقب ، ولا يستعد لما يجوز وقوعه فليس بكامل العقل . ص470

50- فالعاقل من أخذ بالحزم في تصوير ما يجوز وقوعه ، وعمل بمقتضى ذلك ؛ فإن امتد به الأجل لم يضره ، وإن وقع المخوف كان محترزاً . ص471

51- بقدر صعود الإنسان في الدنيا تنزل رتبته في الآخرة . ص471

52- الكمال عزيز ، والكامل قليل الوجود .
فأول أسباب الكمال : تناسب الأعضاء ، وحسن صورة الباطن ؛ فصورة البدن تسمى خَلْقَا ، وصورة الباطن تسمى خُلُقَاً .
ودليل كمال صورة البدن : حسن الصمت ، واستعمال الأدب .
ودليل صورة الباطن : حسن الطبائع ، والأخلاقِ ؛ فالطبائع : العفة ، والنزاهة ، والأنفةُ من الجهل ، ومباعدة الشَّرَه .
والأخلاق : الكرم ، والإيثار ، وستر العيوب ، وابتداء المعروف ، والحلم عن الجاهل .
فمن رزق هذه الأشياء : رَقَّتْهُ إلى الكمال ، وظهر عنه أشرف الخلال ، وإن نقصت خلة أوجبت النقص . ص477

53- من الابتلاء العظيم إقامة الرجل في غير مقامه . ص479

54- وليس في الابتلاء بقوة الأشياء إلا التسليم واللجأ إلى المُقَدِّر في الفرج ، فيُرَى الرجل المؤمن الحازم يثبت لهذه العظائم ، ولا يتغير قلبه ، ولا ينطق بالشكوى لسانه . ص479

55- سبحان من شغل كل شخص بفنٍّ ؛ لتنام العيون . ص493

56- ويندر من الخلق من يُلهمه الكمالَ وطلبَ الأفضل ، والجمع بين العلوم والأعمال ، ومعاملات القلوب ، وتتفاوت أرباب هذه الحال ؛ فسبحان من يخلق ما يشاء ويختار . ص493_494

57- قد تتأخر العقوبة وتأتي في آخر العمر ؛ فيا طول التعثير مع كبر السن لذنوب كانت في الشباب ! ص501

58- قد رُكِّبَ في الطباع حب التفضيل على الجنس ؛ فما أحدٌ إلا وهو يحب أن يكون أعلى درجة من غيره .
فإذا وقعت نكبة أوجبت نزوله عن مرتبة سواه ؛ فينبغي له أن يتجلد بسَتْرِ تلك النكبة ؛ لئلا يُرى بعين نقص ، وليتجمل المتعفف حتى لا يُرى بعين الرحمة ، وليتحامل المريض لئلا يَشْمَتَ به ذو العافية . ص504 _ 505

59- وإنما العبد حقاً من يرضى ما يفعله الخالق ؛ فإن سأل فأجيب رأى ذلك فضلاً ، وإن منع رأى تصرف مالكٍ في مملوك ؛ فلم يَجُلْ في قلبه اعتراض بحال . ص518

60- رأيت سبب الهموم والغموم : الإعراض عن الله -عز وجل - ، والإقبال على الدنيا ، وكلما فات منها شيء وقع الغمُّ لفواته . ص542

61- من البله أن تبادر عدواً أو حاسداً بالمخاصمة .
وإنما ينبغي إن عرفت حاله أن تظهر مما يوجب السلامة بينكما ، إن اعتذر قبلتَ وإن أخذ في الخُصومة صفحتَ ، وأريته أن الأمر قريب ، ثم تبطن الحذر منه ؛ فلا تثق به في حال ، وتتجافاه باطناً مع إظهار المخالطة في الظاهر .
فإن أردت أن تؤذيه فأول ما تؤذيه به إصلاحك واجتهادك فيما يرفعك .
ومن أعظم العقوبة له الصفح عنه لله .
وإن بالغ في السب فبالغ في الصفح تَنُبْ عنك العوامُّ في شتمه ، ويحمدك العلماء على حلمك .
وما تؤذيه به من ذلك ، وتورثه به من الكمد ظاهراً وغيره في الباطن أضعافٌ وخيرٌ مما تؤذيه به من كلمة إذا قلتها سمعت أضعافها .
ثم بالخصومة تُعَلِّمُهُ أنك عدوه ، فيأخذ الحذر ، ويبسط اللسان .
وبالصفح يجهل ما في باطنك ، فيمكنك حينئذ أن تشتفي منه .
أما أن تلقاه بما يؤذي دينك فيكون هو الذي قد اشتفى منك .
وما ظَفِر قط من ظفر به الإثم ، بل الصفح الجميل .
وإنما يقع هذا ممن يرى أن تسليطه عليه : إما عقوبة لذنبٍ ، أو لرفع درجةٍ ، أو للابتلاءِ ؛ فهو لا يرى الخصمَ ، وإنما يرى القدر . ص555 _ 556

62- العجب من الذي أنف الذل كيف لا يصبر على جافِّ الخبز ، ولا يتعرض لمِنَنِ الأنذال ؟ ! ص566

63- وأعجب من هذا من يقدر أن يستعبد الأحرار بقليل العطاء الفاني ولا يفعل ؛ فإن الحُرُّ لا يُشترى إلا بالإحسان ، قال الشاعر :
تفضل على من شئت واعْنَ بأمره ...  وكن ذا غنىً عمن تشاء من الورى
ومن  كنت   محتاجاً  إليه  وواقفاً ...  فأنت   ولو  كان    الأميرَ   أميرُه
ولو  كان  سلطاناً   فأنت  نظيرُه ...   على   طمع    منه    فأنت  أسيره
ص567

64- تفكرتُ في سبب هداية من يهتدي ، وانتباه من يتيقظ من رقاد غفلته ، فوجدت السبب الأكبر اختيار الحق عز وجل لذلك الشخص ؛ كما قيل : إذا أرادك لأمر هيأك له . ص577

65- عجبت لمن يعجب بصورته ، ويختال في مشيته ، وينسى مبدأ أمره ! ص579

66_ وعلامة إثبات الكمال في العلم والعمل : الإقبال بالكلية على معاملة الحق ومحبته ، واستيعاب الفضائل كلها ، وسناء الهمة في نشران الكمال الممكن . ص584

67- عجبت لمن يتصنع للناس بالزهد ، يرجو بذلك قربه من قلوبهم ، وينسى أن قلوبهم بيد من يعمل له ؛ فإن رضي عمله ورآه خالصاً لفت القلوب إليه ، وإن لم يره خالصاً أعرض بها عنه . ص 588

68- من ضرورة الإخلاص ألا يقصد التفات القلوب إليه ؛ فذاك يحصل لا بقصده ، بل بكراهته . ص 588

69- وليعلم الإنسان أن أعمالَه كُلَّها يعلمها الخلق جملةً ، وإن لم يطلعوا عليها للصالح بالصلاح وإن لم يُشاهد منه ذلك . ص589

70- فليتق اللهَ العبدُ ، ويقصد مَنْ ينفعه قصده ، ولا يتشاغل بمدح عَنْ قليل يبلى هُوَ وَهُمْ . ص589

71- إياك والتأويلاتِ الفاسدةَ ، والأهواءَ الغالبةَ ؛ فإنك إن ترخصت بالدخول في بعضها جرًّك الأمر إلى الباقي ، ولم تقدر على الخروج ؛ لِموضع إلف الهوى . ص591

72- ينبغي للعاقل أن يحترز غاية ما يمكنه ؛ فإذا جرى القَدَرُ مع احترازه لَمْ يُلَمْ . ص601

73- ما اعتمد أحدٌ أمراً إذا هم بشيء مثل التثبُّت ؛ فإنه متى عمل بواقعةٍ من غير تأمل للعواقب - كان الغالب عليه الندم ، ولهذا أُمِرَ بالمشاورة ؛ لأن الإنسان بالتثبت يفتكر ، فتعرِض على نفسه الأحوال ، وكأنه شاور ، وقد قيل : خمير الرأي خير من فطيره .
وأشد الناس تفريطاً من عمل مبادرة في واقعة من غير تثبت واستشارة ، خصوصاً فيما يوجبه الغضب ؛ فإنه طلب الهلاك أو الندم العظيم . ص605

74_ فالله الله ! التثبت التثبت في كل الأمور ! والنظر في عواقبها ! خصوصاً الغضب المثير للخصومة ، وتعجيل الطلاق . ص 625

75- لو علم المرائي أن قلوب الذين يرائيهم بيد من يعصيه - لما فعل . ص625

76-  ينبغي للإنسان أن يجتهد في جمع همه ؛ لينفرد قلبُه بذكر الله - سبحانه وتعالى - وإنفاذ أمره والتهيؤ للقائه ، وذلك إنما يحصل بقطع القواطع والامتناع عن الشواغل ، وما يمكن قطع القواطع جملة ؛ فينبغي أن يقطع ما يمكن منها . ص 637

77- دليل صحة نبينا محمد " أجلى من الشمس . ص 656

78- إني أعجب من عاقل يرى استيلاء الموت على أقاربه وجِيرانه ؛ كيف يطيب عيشه ؟ ! خصوصا إذا علت سنُّه . ص661

79- إذا رأيت قليل العقل في أصل الوضع ؛ فلا ترجُ خيره .
فأما إن كان وافر العقل ، لكنه يغلب عليه الهوى ؛ فارجه . ص681

80- لا ينبغي للإنسان أن يحمل على بدنه ما لا يطيق ؛ فإن البدن كالراحلة إن لم يرفق بها لم تصل بالراكب . ص713

81- المصيبة العظمى رضا الإنسان عن نفسه ، واقتناعه بعلمه ، وهذه محنة قد عمت أكثر الخلق . ص729 _ 730

82- تفكرت في نفسي يوماً تَفكُّرَ مُحَقِّقٍ فحاسبتها قبل أن تحاسب ، ووزنتها قبل أن توزن ؛ فرأيت اللطف الرباني .
فمنذ الطفولة وإلى الآن أرى لطفاً بعد لطف ، وستراً على قبيح ، وعفواً عما يوجب عقوبة ، وما أرى لذلك إلا شكراً باللسان .
ولقد تفكرت في خطايا لو عوقبت ببعضها لهلكت سريعاً ، ولو كُشِفَ للناس بعضُها لاستحييت .
ولا يعتقد معتقد عند سماع هذا أنها من كبائر الذنوب حتى يظن فيَّ ما يظن في الفساق ، بل هي ذنوب قبيحة في حق مثلي وقعت بتأويلات فاسدة ؛ فصرت إذا دعوتُ أقول : اللهم بحمدك وسترك عليَّ اغفرلي .
ثم طالبت نفسي بالشكر على ذلك فما وجدته كما ينبغي .
ثم أنا أتقاضى القدرَ مراداتي،  ولا أتقاضى بصبر على مكروه ، ولا بشكر على نعمة ؛ فأخذت أنوح على تقصيري في شكر المنعم ، وكوني أتلذذ بإيراد العلم من غير تحقيق عمل به ، وقد كنت أرجو مقامات الكبار فذهب العمر وما حصل المقصود ؛ فوجدت أبا الوفاء ابن عقيل قد ناح نحو ما نحتُ ؛ فأعجبتني نياحته (11) فكتبتها ههنا .
قال لنفسه : يا رعناءُ ! تقوِّمين الألفاظ ؛ ليقال : مناظرٌ ، وثمرة هذا أن يقال : يا مناظر ، كما يقال للمصارع : الفاره .
ضيعت أعز الأشياء وأنفسها عند العقلاء - وهي آخر أيام العمر- حتى شاع لك بين من يموت غداً اسم مناظر ، ثم يُنسى الذاكر والمذكور إذا درست القلوب ، هذا إن تأخر الأمر إلى موتك ، بل ربما نشأ شابٌّ أفَرَهُ منكِ ، فموَّهوا له ، وصار الاسم له ، والعقلاء (12) عن الله تشاغلوا بما إذا انطووا نَشَرَهم (13) ، وهو العمل بالعلم ، والنظر الخالص لنفوسهم .
أفٍّ لنفسي ! وقد سطرت عدة مجلدات في فنون (14) العلم ، وما عبق بها فضيلة . (15) 
إن نوظِرَتْ شَمَخَتْ ، وإن نوصِحَتْ تَعَجْرَفتْ (16) ، وإن لاحت الدنيا طارتْ إليها طيرانَ الرَّخَمِ ، وسقطتْ عليها سقوطَ الغراب على الجيف ؛ فليتها أَخَذَتْ أخذَ المضطر من الميتة ، توفر في المخالطة عيوباً تُبلى ، ولا تحتشم نَظرَ الحقِّ إليها ، وإن انكسر لها غَرَضٌ تضجرت (17)  ، فإن أمِدَّت بالنعم اشتغلت عن المنعم .
أف والله مني ، اليوم على وجه الأرض ، وغداً تحتها .
والله إن نَتَنَ جسدي بعد ثلاث تحت التراب أقل من نتن خلائقي وأنا بين الأصحاب .
والله إنني قد بهرني حِلْمُ هذا الكريم عني ؛ كيف يستُرني وأنا أتهتك ، ويجمعني وأنا أتشتَّت ؟! وغداً يقال : مات الحبر العالم الصالح ، ولو عرفوني حق معرفتي بنفسي ما دفنوني .
والله لأنادِيَنَّ على نفسي نداء المُكَشِّفين معائب الأعداء ، ولأنوحنَّ نوح الثاكلين للأبناء ؛ إذ لا نائح لي ينوح علي هذه المصائب المكتومة ، والخلال المغطاة التي قد سترها مَنْ خَبَرَها ، وغطَّاها من علمها .
والله ما أجد لنفسي خَلَّةً أستحسن أن أقول متوسلاً بها : اللهم اغفر لي كذا بكذا .
والله ما التفتُّ قط إلا وجدت منه - سبحانه - بِرَّاً يكفيني ، ووقاية تحميني مع تسلط الأعداء ، ولا عَرَضَتْ حاجةٌ فمددت يدي إلا قضاها .
هذا فعله معي وهو ربٌّ غني عني ، وهذا فعلي وأنا عبد فقير إليه !!
ولا عذر لي فأقول : ما دريتُ ، أوسهوتُ ، والله لقد خلقني خلقاً صحيحاً سليماً ، ونوَّر قلبي بالفطنة ، حتى إن الغائباتِ والمكنوناتِ تنكشف لفهمي .
فواحسرتاه على عمر انقضى فيما لا يطابق الرضا ، واحِرْمَاني لمقامات الرجال الفطناء ، ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله ، وا شَماتَة العدو بي ، وا خيبةَ من أحسن الظن بي إذا شهدت الجوارحُ عليّ ، وا خذلاني عند إقامة الحجة .
سخر - والله - مني الشيطان وأنا الفطِن .
اللهم توبةً خالصةً من هذه الأقذار ، ونهضةً صادقةً لتصفية ما بقي من الأكدار ، وقد جئتك بعد الخمسين وأنا من خَلَقِ المتاع ، وأبى العلم إلا أن يأخذ بي إلى معدن الكرم ، وليس لي وسيلةٌ إلا التأسف والندم ؛ فوالله ما عصيتك جاهلاً بمقدار نعمك ، ولا ناسياً لما أسلفت من كرمك ؛ فاغفرلي سالف فعلي . ص736_739.

83- قلَّ أن يجري لأحد آفة إلا ويستحقها ؛ غير أن تلك الآفات المجازى بها غائبة عنا ، ورأينا الجزاء وحده ؛ فَسلِّم تَسْلَم ، واحذر كلمة اعتراض ، أو إضمار ؛ فربما أخرجتك من دائرة الإسلام . ص744 _ 745 *
_______________________________________________
(1) أي لم تمهل .
(2) الحَيْن : الهلاك . 
(3) الأراييح : يعني الروائح الزكية .
(4) لا يضره إن خفي قبره .
(5) يعني أحبته ، وتعلقت به .
(6) أمض : آلم ، وأرمض : أحرق.
(7) المشام : الأنوف .
(8) صُبابة الأجل : بقية العمر ، والصَّبابة : الهوى .
(9) يعني ابن الجوزي نفسه .
(10) مسلاخ : جلد .
(11) يعني بكاءه على نفسه ، ولومها لتقصيرها في جنب الله .
(12) يعني بهم : الذين يعقلون عنه أمره ونهيه .
(13) يعني إذا ماتوا أحياهم ، وجعل الناس يذكرونهم .
(14)  لعله يشير إلى كتابه (الفنون ) الذي بلغ ثمانمائة مجلد كما ذكر ذلك ابن رجب الحنبلي في كتابه ذيل طبقات الحنابلة 1/ 156 .
(15) يعني أنه ما استفاد مما علم ، ولم يعلق به شئ من ذلك ، وهذا من تواضعه .
(16) يعني تكبرت واستنكفت عن قبول الحق .
(17) يعني أن نفسه تضجر وتسخط إذا لم تأتها الأمور كما تريد .


* المنتقى من بطون الكتب المجموعة الأولى (22-44) للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد  .

الأحد، 26 يناير، 2014

نقولات مختارة من كتاب : الحديقة < تأليف العلامة محب الدين الخطيب 1303-1389 ه >



تعريف بالمؤلف :

هو الأديب الكبير والكاتب الإسلامي الشهير الشيخ العلامة محب الدين الخطيب بن أبي الفتح محمد عبد القادر صالح الخطيب .

ولد بدمشق عام 1303هـ ، وتعلم بالإستانة ، وحضر إلى القاهرة ، وعمل في جريدة المؤيد ، ثم قصد العراق ، فاعتقله الإنجليز سبعة أشهر ، ثم ذهب إلى مكة المكرمة عند إعلان الثورة العربية 1916م ، فحكم عليه الأتراك بالإعدام غيابياً ، ثم استقر في مصرسنة1920م ، وعمل محرراً للأهرام ، وأنشأ مجلتي الزهراء ، والفتح ، وأنشأ المطبعة السلفية ومكتبتها .
وقد عرف بغيرته الإسلامية ، وكتاباته البارعة ، ومعالجته لكثير من القضايا الأخلاقية ، والعقدية ، واللغوية وغيرها .
كان من أكابر الكتاب الإسلاميين في القرن الرابع عشر ، حيث مارس الكتابة في سن مبكرة ، وحرص على نشر الفضيلة ، ومقاومة دعاة التغريب والرذيلة .
له مؤلفات عديدة، منها كتاب : الخطوط العريضة، وكتاب  : مع الرعيل الأول .
ومن كتبه ، ما نحن بصدده وهو كتاب الحديقة .
وكان ذا علاقات كثيرة ، وصداقات متينة مع أكثر علماء وأدباء عصره .
توفي عام 1389هـ عن ست وثمانين سنة .

تعريف بالكتاب : 


كتاب الحديقة يعرف من مسماه ، وهو كما قال مؤلفه: مجموعة أدب بارع ، وحكمة بليغة ، وتهذيب قوي >

وقد قامت فكرة هذا الكتاب لدى المؤلف عام 1340هـ حيث كان يجمع ما يروقه من مقالات ، أو حكم ، أو قصائد ، أو مواقف سواء مما يقرؤه في الصحف ، أو في كتب التراث أو في غيرها .
كما أن الكتاب يحتوي على مقالات للمؤلف .
وكان يُخرج ما يجتمع لديه من ذلك ما بين الفينة والأخرى حتى بلغت أجزاء الكتاب أربعة عشر جزءاً أولها عام 1340هـ ، وآخرها طبع بعد وفاته بعدة أشهر .
وهذه الأجزاء حديقة وارفة الظلال ، دانية القطوف ، تجد فيها الحكمة ، والموعظة الحسنة ، والطرفة النادرة والساخرة ، والقصيدة الرائعة ، والمقالة الرائقة ، وفيها حديث عن عزة الإسلام ، وأقوال المنصفين فيه من غير أهله ، وفيه تطرق لقضايا المرأة وما يحاك حولها ، وفيه تمجيد لهذه الأمة وسلفها ، ولغتها .
وبالجملة فهو كاسمه حديقة مليئة بما لذ وطاب .

النقولات المنتقاة :


1- هدية :

إلى الرجل المجهول .
إلى الرجل الهادئ الثابت البصير ، الذي لا يؤلمه الفشل، ولا يبطره الفوز.
إلى الرجل النزيه العزيز المتواضع ، الذي لا يغره المجد العاجل ، ولا يفتنه التنافس في سبيل الظهور .
إلى الرجل الذي يستطيع أن يذيب شهوته في مصلحة جامِعَته (1) ، وأن يحتفظ بقواه لساعات الشدائد .
إلى الرجل الذي يحسن الوقوف في مواقف الشجاعة والإقدام ، كما يحسن الوقوف في مواقف الحذر والحيطة .
إلى الرجل كبير النفس الذي - إذا وجه وجهه نحو المطمح - يمر بالصغائر فلا تعوقه عن مواصلة السير حتى يبلغ الغاية .
إلى هذا الرجل المجهول أهدي هذا الجزء من الحديقة . 7/1.

2- مرض حب الشهرة :

إن الذي يَكِل إلى الناس تقدير قيمته يجعلونه سلعة يتراوح سعرها بتراوحهم بين الحاجة إليها والاستغناء عنها .
والطريقة المُثْلَى أن يقوِّم لنفسه قيمتها ، فإن المرء - كما يقول بعضهم - يساوي القيمة التي يضعها لنفسه ، ذلك خيرٌ من أن يطرحها في المزاد على ألسنة الناس .
عباس العقاد . 7/10.

3- الزوجة :

قال أميلو : إن القلب يدفع طالب الزواج إلى الحسناء ، والمصلحة تدفعه إلى الدميمة ، والعقل وحده يسوقه إلى المرأة الفاضلة . 7/71.

4- السفور بعد الحجاب :

قل لمن بعد حجابٍ سَفَرتْ ... أبهذا يأمر الغيدَ الشرفْ؟
أسفوراً والحيا يحظره ... وتُقى الله وآدابُ السلفْ!
ليست المرأة إلا درَّةً ... أيكون الدرُّ إلاَّ في الصدف؟
أمين ناصر الدين . 7/74.

5- الرجولة في نظر المتنبي :

وما العشقُ إلاَّ غِرَّةٌ وطماعةٌ ... يُعرِّض قلبٌ نفسَه فيُصابُ
وللخُوْد منِّي ساعةٌ ثم بيننا ... فلاةٌ إلى غير اللقاء تُجاب
وللسِّر مني موضعٌ لا يناله ... صديقٌ ولا يُفضي إليه شراب
وغيرُ فؤادي للغواني رَمِيَّةٌ ... وغيرُ بَناني للرخاخ ركابُ
أعزُّ مكان في الدُّنَى سرجُ سابحٍ ... وخيرُ جليس في الزمان كتاب
7/197.

6-الاعتدال والبساطة :

قال شارل وانير : من شاء أن يربي أبناءه على مبادئ الحرية فلينفث فيهم من روح الاعتدال والبساطة ، ولا يخش تأثير ذلك في السعادة ؛ فإن الاعتدال من أسباب الحصول عليها لا من الوسائل المؤدية إلى الشقاء والنكد . 8/24.

7- الصابر العظيم :
الأشقياء في الدنيا كثير ، وأعظمهم شقاءاً ذلك الحزين الصابر الذي قضت عليه ضرورة من ضرورات الحياة أن يهبط بآلامه وأحزانه إلى قرارة نفسه ، فيودعها هناك ، ثم يغلق دونها باباً من الصمت والكتمان ، ثم يصعد إلى الناس باشَّ الوجه ، باسم الثغر ، متطلِّقاً متهلِّلاً ، كأنه لا يحمل بين جنبيه همَّاً ولا كمداً (2) . 
مصطفى لطفي المنفلوطي . 8/37.

8- من اعترافاتهم :
- يقول القس إسحاق تيلر رئيس الكنيسة الإنجليزية : الإسلام ينشر المدينة التي تعلم الإنسان ما لم يعلم ، والتي تقول بالاحتشام في الملبس ، وتأمر بالنظافة ، والاستقامة ، وعزة النفس ؛ فمنافع الإسلام لا ريب فيها ، وفوائده من أعظم أركان المدنية ومبانيها .
- قال واشنطون أرفنج : القرآن قوانين زكية سنية .
- قال جيبون : القرآن مسلَّم به من حدود الافيانوس الاطلانطيكي إلى نهر الكانج بأنه الدستور الأساسي ليس لأصول الدين فقط ، بل للأحكام الجنائية والمدنية ، وللشرائع التي عليها مدار حياة نظام النوع الإنساني وترتيب شؤونه .
- قال غوستاف لوبون : إن العرب هم سبب انتشار المدنية ببلاد أوربا . 8/80.

9 - ملك القلوب :
قدم هارون الرشيد الرقة ؛ فانجفل الناس خلف عبدالله بن المبارك ، فقالت أُمُ ولدٍ لهارون كانت مشرفة على ذلك : من هذا؟
 فقالوا لها : عالم أهل خراسان قدم الرقة يقال له عبدالله بن المبارك ، فقالت :
هذا والله الملك ! لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بِشُرَطٍ وأعوان . 8/129.

10- السعادة قريبة التناول :
قال السر تشارلس ويفلد ، الذي كان محافظ لندن :
- انشُد راحة البال ، وتذكرْ أنَّ أثمن الأشياء في العالم لا ثمن له .
- ادرسْ صحتك واعْنَ بها : بالرياضة ، والهواء الطلق ، والنور ، والطعام البسيط ، وكلُّ هذه أشياء في متناول يدك .
- لا تتأخر في الزواج .
- الإفراط في الحذر يزيل من الحياة بهجتها .
- احتفظ بصداقة أحبائك وأعزَّائك ، وتذكر قيمتها على الدوام .
- لا تستصغرْ دخلك ، وتذكر أنَّ آلافاً من الناس يعدُّون دخلك ثروة .
- ادفع ثمنَ كل ما تشتريه ، ولا تستدنْ فإنَّ الدَّين شقاء .
- تذكر في عملك أن للدرس والاجتهاد قيمة .
- أتقنْ عملك واعرفْ تفاصيله .
- إذا كانت لك هموم خاصة بعملك فاقْصُرْها على ساعات العمل ، واجعل عقلك طليقاً من قيودها وقت الفراغ .
- لا تسأل نفسك : هل أنت سعيد  بل اعمل ، وروِّح عن نفسك ، وأحبَّ أصدقاءَك ، واعمل عملك جهد طاقتك في نزاهة . 9/171_172.

11- سبيل النجاح في نظر فورد :
- النظافة .
- التثبُّت ، والتدقيق .
- استخدام المرء كل ما لديه من القوى .
- ثقة المرء بمقدرته على إنجاز ما تصدَّى له .
- أن لا ينفق المال إلا في الوجوه المجدية والصالحة . 9/172.

12- العمل رياضة العقل :
من تفكير آرثر برزباين :
إن أعظم خطر ترتكبه هو إهمالك العمل المفروض عليك لمجرد تصوّرك (أنك تعمل لمصلحة سواك فلا يجب أن تعمل كثيراً) .
ولكن اذكر أنَّ كلَّ أمانة تبديها في عملك هي خدمة لذاتك ، أنت تعمل لنفسك ، إنَّك إذا كنت أميناً في عملك المأجور فإنما تخدم نفسك قبل أن تخدم رئيسك ، يوجد شيءٌ واحد فقط يفيدك ، ويحسن حالك ويعليك ويرفع مقامك ، وذلك الشيء الوحيد هو سعيك واجتهادك .
أنت تبدأ حياتك ولك قوى عقلية معلومة ، وقوى جسدية معيَّنة ، تلك القوى العقلية والجسدية لابد لها من المصير إلى إحدى الحالتين :
إما أن ترتقي وتزداد ، وإما أن تنحط وتضعف ، ومصير قواك هذه متوقف عليك ، فإما إلى الارتقاء ، وإما إلى الانحطاط .
كل عمل تعمله يفيد مهما كان تافهاً ، ولا يفيدك أن تهمل أي عمل توليته ؛ فإنك إما أن لا تتولاه ، وإما أن تتولاه فتحسن عمله .
قد تعمد إلى التكاسل ظنَّاً منك أنك تتمتع براحة الكسل على حساب الرجل الذي يستخدمك ، وهذا الظن يدل على قلة أمانتك ، وهو في الوقت نفسه دليل الحماقة . 9/212_213.
- مرِّن عقلك بواسطة العمل مهما كان نوع ذلك العمل ، راجع تواريخ الرجال الذين نجحوا من قبل تجد أنهم أحسنوا كل عمل وُسِّد إليهم . 9/215.
- اعمل بقدر ما تستطيع الآن ، ولا تحمِّل نفسك ما لا تطيق . 9/216.
- العمل وحده لا يكفي ، بل لابد معه من الاجتهاد والأمانة . 9/216.
- قد لا تدرك منزلة سامية ، ولكن ما دمت أميناً في عملك فأنت ضامنٌ لنفسك النجاة من الفشل ، والبعد عن السقوط في الخمول . 9/216_217.
- إذا شئت أن تصلح العالم فابدأ بإصلاح نفسك ؛ لأن العالم مؤلف من أفراد أنت واحد منهم . 9/217.

13- من أقوال شوقي :
- جئني بالنَّمِر العاقل أجئْك بالمستبد العادل . 11/128.
- ثقة العاطفة شهر ، وثقة العقل دهر . 11/128.
- من أخلَّ بنفسه في السر أخلَّت به في العلانية . 11/128.
- الإنسان لولا العقل عجماء ، ولولا القلب صخرة صمَّاء . 11/128.
- اثنان في النار دنيا وأخرى : الحاقد والحاسد . 11/128.
- بين الحلم والخَوَر جسر أدقُّ من الصراط . 11/128.
- يستريح النائم من قيود الحياة ، كما يتروح السجين ساعة في فِناء السجن . 11/128.
- هلكت أمة تحيا بفرد ، وتموت بفرد . 11/128.
- الصالحون يبنون أنفسهم ، والمصلحون يبنون الجماعات . 11/129.
- يهدم الصدرُ الضيق ما يبني العقلُ الواسع . 11/129.
- القويُ من قوي على نفسه . 11/129.
- جلائل الرغائب مخبوءة في كبار الهمم . 11/129.

14- كلمات للإمام أحمد بن حنبل :
- ما شبَّهتُ سنَّ الشباب إلا بشيء كان في كمِّي فسقط . 11/130.
- ما قلَّ من الدنيا كان أقلَّ للحساب . 11/130.
- التوكل قطع الاستشراف باليأس من الناس . 11/130.
- الفُتُوَّة ترك ما تهوى لما تخشى . 11/130.
- كلُّ شيءٍ من الخير تهتمُّ به فبادر به قبل أن يُحال بينك وبينه . 11/130.
- لا تزال بخير ما نويتَ الخير . 11/130.
- يؤكل الطعام بثلاث : مع الإخوان بالسرور ، ومع الفقراء بالإيثار ، ومع أبناء الدنيا بالمروءة . 11/130.
- لو أنَّ الدنيا اجتمعت حتى تكون في مقدار لقمة ، ثم أخذها امرؤ مسلم فوضعها في فم أخيه المسلم لما كان مسرفاً . 11/130.

15- ذكاء الأعراب :
قال أحد عمال الدولة لأعرابي : ما أحسبك تدري كم تصلي في كل يوم وليلة ، فقال له الأعرابي : إن أنبأتك بذلك تجعل لي عليك مسألة ؟ قال : نعم ، فقال الأعرابي :
إن الصلاة أربعٌ وأربعُ ... ثم ثلاثٌ بعدهنَّ أربعُ
ثم صلاة الفجرِ لا تضيَّعُ
قال : صدقت ، فسل ، قال : كم فَقَار ظهرك ؟ قال : لا أدري : قال : أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك ؟. 11/209.

16- شمم العرب :
دخل عمارة بن حمزة على أمير المؤمنين المنصور وقعد في مجلسه - وكان ذا عزَّةٍ وثروة ونفس أبيَّة - فقام رجل ، وقال : مظلوم يا أمير المؤمنين ، فقال : من ظلمك ؟ قال : عمارة بن حمزة غصبني ضيعتي ، فقال المنصور : يا عمارة قم فاقعد مع خصمك ، فقال : يا أمير المؤمنين ما هو لي بخصم ، إن كانت الضيعة له فلست أنازعه فيها ، وإن كانت لي فقد وهبتها له ، ولا أنزل عن مقام شرَّفني به أمير المؤمنين لأجل ضيعة . 12/19.

17- من كلام الأحنف بن قيس :
- الإنصاف يثبت المودة . 12/104.
- الرفق والأناة محبوبة إلا في ثلاث : تبادر في العمل الصالح ، وتعجل إخراج ميتك ، وتنكح الكفء أَيِّمَك . 12/104.
- أنصف من نفسك قبل أن يُنتصف منك . 12/104.
- لا تكوننَّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان . 12/105.
- قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل . 12/105.
- العتاب خير من الحقد . 12/105.
- لأفعى تحكك في جوانب بيتي أحبُّ إليَّ من أيّم قد رددتُ عنها كفواً . 12/106.
- لو جلس إليَّ مائة ، لأحببتُ أن ألتمس رضا كل واحد بما يسرُّه . 12/107.
- جنِّبوا مجالسَنا ذكر النساء والطعام ؛ فإني أبغض الرجل أن يكون وصافاً لفرجه وبطنه . 12/107.
- إياك والغضب ، فإنه ممحقة لفؤاد الحكيم . 12/107.

18- الرجل :
- الرجل بصراحته في القول ، وإخلاصه في العمل . سعد زغلول 14/130.
- الرجل بأعماله فكلما عظمت كبر مقامه في أعين غيره ، وزادته قيمة . مصطفى كامل . 14/130.
- الرجل إذا تكلَّم كثيراً لا يعمل إلا قليلاً . فيكتور هيكور . 14/130.
- الرجل الشجاع هو الذي يعرف أن يصفح . سترين . 14/130.
- الرجل الذي يعمل لمصلحته فقط لا يستحق الاحترام . ميرابو . 14/130.
- الرجل الذي لا يرضى بالقليل لا يرضيه شيء . ابيقورس . 14/130.

19- المرأة :
- الحياء والصمت أجمل زينات المرأة . 14/131.
- إن امرأتي هي التي جعلتني من أنا . بسمارك. 14/131.
- امش وراء الأسد ولا تمش وراء المرأة . سليمان الحكيم . 14/131.

20- من كلام سعيد بن المسيب سيد التابعين :
- ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب ، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيبه . 14/153.
- من كان فضله أكثر من نقصه وُهب نقصه لفضله . 14/153.
- من استغنى بالله افتقر الناس إليه . 14/153.
- ما يئس الشيطان من شيء إلا أتاه من قبل النساء . 14/153.

21- من كلام طاووس :
- كان طاووس بن كيسان من سادة التابعين في اليمن ، مات بمكة حاجاً فحمل نعشه عبدالله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وبعث هشام ابن عبدالملك ولي عهده حرساً في موكب جنازته ، ولم يعلم بموته أحد من الحجاج إلا سار في موكبه ، حتى لقد سقطت قلنسوة عبدالله بن الحسن ، وتقطَّع رداؤه وهو يحمل النعش ؛ لشدة الزحام .
ومن أقوال طاووس :
- لكل شيءٍ غاية ، وغاية المرء حسن عقله . 14/180.
- لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج . 14/180.
- حج طاووس فخرج على القافلة التي هو فيها أسد أزعجها طول الليل فلم ينم من أهلها أحد ، فلمَّا زال عنهم الخطر ساعة الفجر ناموا كلهم وقام طاووس يصلي ويتهجد ، فقيل له لقد بت الليلة متعباً فهلاَّ تنام ؟ فقال : هذه ساعة ما كنت أحسب أن أحداً ينام عنها ولو أوتي بها مثل جبل أبي قبيس ذهباً . 14/183.

22- خصومة العظماء :
قام رجل في أيام صفين إلى معاوية وقال له : اصطنعني فقد قصدتك من عند أجبن الناس وأبخلهم وألكنهم .
فقال معاوية : من الذي تعنيه ؟
فقال الرجل : علي بن أبي طالب .
فقال معاوية : كذبت يا فاجر ، أمَّا الجبن فلم يك قط فيه ، وأمَّا البخل فلو كان له بيتان بيت من تبر وبيت من تبن لأنفق تبره قبل تبنه ، وأمَّا اللكن فما رأيت أحداً يخطب أحسن من عليّ إذا خطب ، قم قبَّحك الله .
ومحا معاوية اسم الرجل من ديوانه . 14/210. *

________________________________________________
1- (يعني : أمته) .
2- ينطبق على هذا قول الحكيم الذي قيل : إنه أحكم بيت قالته العرب :
ولربما ابتسم الكريم من الأذى
وفؤاده من حرِّه يتأوه .

* المصدر : المنتقى من بطون الكتب المجموعة الثالثة (155-167) للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد 

لمن أراد الكتاب بصيغة pdf :

السبت، 25 يناير، 2014

نقولات مختارة من كتاب : كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر على الناس < تأليف ديل كارنيجي >


تعريف بالكتاب :

هذا الكتاب من تأليف ديل كارنيجي ، وتعريب عبدالمنعم بن محمد الزيادي .

ومضمون الكتاب واضح من عنوانه ؛ فهذا الكتاب يحوي ما خرج به مؤلفه من مطالعاته العديدة ، وبحوثه الواسعة في التراجم ، وعلم النفس ، والتربية ، والتاريخ ، وغيرها فضلاً عما توصَّل إليه من نتائج بعد تجارب دامت أكثر من عشرين سنة في معهده للعلاقات الإنسانية الذي أسسه بنفسه ، والذي يعد أول معهد من نوعه في العالم أجمع .
وغرض هذا الكتاب - كما يقول المعرِّب - : أن يوضح لك أقصر الطرق وأضمنها للحصول على النجاح ، والمقدرة على مواجهة الحياة .

 النقولات المنتقاة :


1-  فاللوم عقيم ؛ لأنه يضع المرء في موقف الدفاع عن نفسه ، ويحفز إلى تبرير موقفه ، والذود عن كبريائه وعزته .

وفي وسعك أن تجد ألف مثل على عقم اللوم مسطرة في ألف صفحة من صفحات التاريخ . ص8

2- ينبغي أن تذكر في معاملتك للناس أنك لا تعامل أهل منطق ، بل أهل عواطف ، وشعور ، وأنفس حافلة بالأهواء ، ملأى بالكبرياء ، والغرور .

واللوم شرارة خطيرة في وسعها أن تضرم النار في وقود الكبرياء ، وأن تضرمها ناراً قد تعجل بالموت أحياناً . ص17 _ 18

3- وإن أي أحمق يسعه أن يلوم ، وأن يتهم ، وأن ينتقد ؛ بل هذا أغلب ما يفعله الحمقى ! فدعنا بدلاً من أن نلوم الناس نحاول أن نفهم ، وننتحل لهم الأعذار فيما فعلوا ، فهذا أمنع من اللوم , وهو يعقب الشفقة ، والرحمة ، والاحتمال . ص18 _ 19


4- ليس ثمة إلا طريقة واحدة تحمل بها شخصاً على أن يقبل على عمل ما ؟ تلك هي ترغيب الشخص في هذا العمل . ص20

- وإنك لتجد كثيراً من الناس يصيبهم المرض إذا أعجزهم اكتساب عطف الناس عليهم ، واهتمامهم بهم . ص24

6_ وقد وجدت بالتجربة، أن في وسع المرء أن يفوز باهتمام أرفع الناس قدراً ، وأعظمهم درجة ، لو أنه أبدى بهم اهتماماً . ص56


7- إذا نحن أردنا أن نكتسب الأصدقاء ، فلنضع أنفسنا في خدمة غيرنا من الناس ، ولنمد لهم يداً مخلصة نافعة ، مجردة عن الأنانية والمصلحة الذاتية . ص58


8- إن تعبيرات الوجه تتكلم بصوت أعمق أثراً من صوت اللسان ، وكأني بالابتسامة تقول لك عن صاحبها : إني أحبك ، إنك تمنحني السعادة ، إني سعيد برؤيتك !. ص65


9- ولا تحسب أنني أعني بالابتسامة مجرد علامة ترنم على الشفتين ، لا روح فيها ولا إخلاص ، كلا ! فهذه لا تنطلي على أحد ، وإنما أتكلم عن الابتسامة الحقيقية التي تأتي من أعماق نفسك ، تلك هي الابتسامة التي تجلب الربح الجزيل في ميادين المال والأعمال . ص65 _ 66


10- فالطريق المؤدية إلى الابتهاج ، إذا فقدنا الابتهاج ، هي أن نتصرف كما لو كنا مبتهجين حقاً . ص69


11- كانت لأهل الصين القدامى حكم رائعة ، ومنها هذه الحكمة التي يجمل بنا أن نعلقها على صدورنا ؛ كي لا ننساها أبداً :

إن الرجل الذي لا يعرف كيف يبتسم لا ينبغي له أن يفتتح متجراً . ص72

12- إنها لا تكلف شيئاً ، ولكنها تعود بالخير الكثير ، إنها تغني أولئك الذين يأخذون ، ولا تفقر أولئك الذين يمنحون !.

إنها لا تستغرق أكثر من لمح البصر ، لكن ذكراها تبقى إلى آخر العمر !.
لن تجد أحداً من الغنى بحيث يستغني عنها ، ولا من الفقر في شيء وهو يملك ناصيتها !.
إنها تشيع السعادة في البيت ، وطيب الذكر في العمل ، وهي التوقيع على ميثاق المحبة بين الأصدقاء .
إنها راحة للتعب ، وشعاع الأمل للبائس ، وأجمل العزاء للمحزون .
وبرغم ذلك فهي لا تشترى ، ولا تستجدى ولا تقترض ، ولا تسلب ! إنها شيء ما يكاد يؤتي ثمرته المباركة حتى يتطاير شعاعاً !.
فإذا أتاك رجالنا ليبيعوك ما يحتاج إليه ، وألفيتهم من التعب والإرهاق بحيث عز عليهم الابتسام - فكن أخا كرمٍ ، وامنحهم ابتسامة من لدنك ؛ فوالله إن أحوج الناس إلى الابتسامة هو الذي لم يبق له شيء من الابتسام ليهبه !.
فإذا أردت أن يحبك الناس فاتبع القاعدة رقم 2 : ابتسم . ص73 _ 74

13_ لقد كان الرئيس روزفلت يعرف أن إحدى الطرق السهلة المضمونة لاكتساب قلوب الناس هي تذكر أسماءهم ، وجعلُهم بهذا يشعرون بأهميتهم ؛ فكم منا يفعل ذلك ؟!.

إننا نقضي نصف الوقت الذي نتعرف فيه على غريب نتبادل بضع كلمات جوفاء ، ثم لا نستطيع حتى أن نذكر اسمه عندما يحيينا لينصرف !. ص83 _ 84

14- فإذا أردت أن يحبك الناس ، فاتبع القاعدة رقم3 :

اذكر أن اسم الرجل هو أجمل وأحب الأسماء إليه . ص85

15- كن مستمعاً طيباً ، وشجع محدثك على الكلام عن نفسه . ص98


16- فإذا أردت أن يحبك الناس ، فاتبع القاعدة رقم 5 :

تكلم فيما يسر محدثك ، ويلذ له . ص103

17- تذكر قول إيمرسون : كل شخص ألقاه يفوقني في ناحية واحدة على الأقل ، وفي هذه الناحية يمكن أن آخذ عنه وأتعلم منه . ص110


18- فلكي تجذب الناس إلى وجهة نظرك ، اتبع القاعدة رقم واحد :

لا تجادل..واعلم أن أفضل السبل لكسب جدال هو أن تتجنبهص128

19- إذا كنت مخطئا فسلِّم بخطئك . ص141


20- إذا كنت مهتاج الخاطر ، محنقاً مغيظاً ، وصببت جام حنقك وغيظك على الشخص الآخر - فلا شك أنك ستزيح عن كاهلك عبثاً كان يرهقك ، ولكن ما بال الشخص الآخر ؟ أيشاركك راحتك ؟! أتجعله لهجتُك الحادةُ ، وموقفك العدائي منه أقرب إلى موافقتك ، ومشاطرتك الرأي ؟! ص142


21- إذا كان قلب الرجل مفعماً بالحنق عليك ، والبغضاء لك فلن يسعك أن تكسبه إلى وجهة نظرك بكل ما في الوجود من منطق ؛ فليدرك هذا الآباء اللائمون،  والأزواج المنتقدون ، والمديرون الطاغون .

ولكن الأقرب إلى الاحتمال أن يصل هؤلاء إلى أغراضهم إذا توسلوا باللطف ، والرفق واللين . ص145

22- قد يكون الشخص الآخر مخطئاً ، ولكنه لن يسلم بخطئه أبداً ؛ فلا تلمه ؛ إن أي أحمق يسعه أن يلوم ، ولكن حاول أن تفهمه ، واستعن عليه بالصبر الجميل ، وسوف تجد أن هناك سبباً خفياً قد أوحى للرجل أن يفكر كما يفكر ، أو يتصرف كما يتصرف ، فإذا عرفت هذا السبب ألفيت بين يديك مفتاح شخصيته جميعاً .

حاول مخلصاً أن تضع نفسك مكانه ، قل لنفسك :
ترى كيف أحس ، وكيف أتصرف لو أنني كنت في مكانه ؟
وسوف ترى عندئذٍ أنك وفرت على نفسك وقتاً طويلاً ، وعناء شديداً ، فضلاً عن أنك ستكسب خبرة بفن معاملة الناس . ص176

23- أتريد أن تتعلم عبارة سحرية تصفِّي جو الحديث في الحال مما قد يعتكره ، وتشيع فيه روحاً طيبة ، وتحدو بالشخص الآخر إلى الإنصات إليك باهتمام ؟

ها هي ذي : قل لمحدثك : إنني لا ألومك مثقال ذرة لوقوفك هذا الموقف ، وإحساسك هذا الإحساس ، ولو كنت مكانك لأحسست تماماً مثلما تحس ، واتخذت مثل الموقف الذي تتخذ .
عبارة كهذه كفيلة بأن تكسر حدّة أطول الناس باعاً في السفاهة والجدل ! وفي وسعك أن تقول هذه العبارة ، وتكون مخلصاً صادقاً مائة في المائة ؛ لأنك لو كنت مكانه لصنعت فعلاً مثلما صنع . ص181

24- إن كل من تلقاه من الناس ، حتى الشخص الذي تطالعك صورته في المرآة ، يحمل لنفسه تقديراً كبيراً ، ويجب - مع هذا - أن يقال عنه إنه متحرر من الأنانية ، متبرئ من حب اللذات .

فإذا شئت أن تغير طباع الناس وجب أن تتوسل إلى الدوافع النبيلة في نفوسهم ، أفترى هذا أمراً عسيراً يتعذر تطبيقه في الحياة العملية ؟ ص189_190

25- فإذا أردت أن تكسب الناس ذوي الروح الوثابة ، والشجاعة الأدبية إلى وجهة نظرك - فاتبع القاعدة رقم 12:

ضع الأمر موضع التحدي . ص205

26- فلكي تسلس قيادة الناس - إذن - دون أن تسيء إليهم أو تستثير عنادهم ، إليك القاعدة رقم1 :

إبدأ بالثناء المستطاب، والتقدير المخلص . ص213

27- فلكي تملك زمام الناس دون أن تسيء إليهم أو تستثير عنادهم ، إليك القاعدة رقم2 :

الفت النظر إلى الأخطاء من طرف خفي . ص216

28- فلكي تملك زمام الناس دون أن تسيء إليهم أو تستثير عنادهم ، اتبع القاعدة رقم3 :

تكلم عن أخطائك قبل أن تنتقد الشخص الآخر . ص221

29- قدم اقتراحات مهذبة ، ولا تصدر أوامر صريحة . ص223


30- دع الرجل الآخر يحتفظ بماء وجهه ! ص224


31- فإذا أردت أن تؤثر في سلوك إنسان دون أن تستثير عناده ، أو تسيء إليه فاذكر القاعدة رقم7 :

أسبغ على الرجل ذكراً حسناً يقم على تدعيمه ! ص235

32- فإذا أردت أن تسلس قيادة الناس دون أن تسيء إليهم أو تستثير عنادهم ، فاتبع القاعدة رقم8 :

اجعل الغلطة التي تريده إصلاحها تبدو ميسورة التصحيح ، واجعل العمل الذي تريده أن ينجز يبدو سهلاً هيناً . ص239
33- حبب الشخص الآخر في العمل الذي تقترحه عليه . ص242

_______________________________________
المصدر :  المنتقى من بطون الكتب المجوعة الثانية (231-238)  للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد 

__________________________________________

وفي هذا الرابط صورة النقاط الرئيسية ووضعت روابط بصيغة pdf :
http://alhmdani897.blogspot.com/2013/07/blog-post_16.html

أقتبست من الكتاب هذة المقالة وهي بعنوان " الأب يغفر (من أروع المقالات في العصر الحديث) و. ليفينجستون. لارند " :
http://alhmdani897.blogspot.com/2013/05/blog-post_27.html

الخميس، 23 يناير، 2014

بين حمدات والفند



ومن عجائب الطعن أن رجلاً من الأكراد يقال له : حمدات كان قديم الصحبة قد سافر مع والدي (راوي القصة الأمير أسامة بن منقذ) إلى أصبهان إلى دركاه السلطان ملك شاه ، فكبر وضعف بصره ، ونشأ له أولاد ، فقال له عمي عز الدين :
 يا حمدات ، قد كبرت وضعفت ، ولك علينا حق وخدمة ، فلو لزمت مسجدك - وكان له مسجد على باب داره - وأثبتنا أولادك في الديوان ، ويكون لك أنت كل شهر ديناران ، وحمل دقيق وأنت في مسجدك .
قال : افعل يا أمير ، فأجرى له ذلك مديدة .
ثم جاء إلى عمي وقال : يا أمير ، والله ما تطاوعني نفسي على القعود في البيت ، وقتلي على فرسي أشهى إلي من موتي على فراشي !!!!!
قال : الأمر لك وأمر برد ديوانه عليه كما كان .

فما مضى إلا الأيام القلائل حتى غار علينا السرداني - صاحب طرابلس - ففزع الناس إليهم ، وحمدات في جملة الروع ، فوقف على رقعة من الأرض مستقبل القبلة ، فحمل عليه فارس من الإفرنج من غربيه ، فصاح إليه بعض أصحابنا :
 يا حمدات ، فالتفت فرأى الفارس قاصده ، فرد رأس فرسه شمالاً ، ومسك رمحه بيده ، وسدده إلى صدر الإفرنجي فطعنه فنفذ الرمح منه .
فرجع الإفرنجي متعلقاً برقبة حصانه في آخر رمقه .
فلما انقضى القتال قال حمدات لعمي : 
يا أمير ، لو أن حمدات في المسجد من كان طعن هذه الطعنة ؟

فأذكرني قول الفِنْد الزماني :
أيا طعنة ما شيخ ... كبير يَفَنٍ بالي
تَفْتّيت بها إذ كـ ... ـره الشكة أمثالي
وكان الفند قد كبر وحضر القتال ، فطعن فارسين مقترنين فرماهما جميعاً . (1)


أما الفند ذكر قصة الأمير بن منقذ في كتابة  "لباب الآداب" :

نقلت من خط النَّجِيرمي قال : 
كان الفِنْدُ من الفرسان الشجعان القدماء ، وهو شهل بن شيبان بن ربيعة بن زِمَّان ، وإنما سمي الفند : لأنه شبه بالقطعة من الجبل ، وكان عظيماً، وأمدت بنو حنيفة يوم قِضَة بكر بن وائل بالفند ، وقالوا :
 قد أمددناكم بألف رجل ، وكان شيخاً كبيراً يومئذ ، فطعن مالك بن عوف بن الحارث بن زهير بن جشم وخلفه رديف له يقال له الثريار بن مازن بن جشم بن عوف ابن وائل بن الأوس ، فانتظمهما برمحه , وقال :
أيا طعنةَ ما شيخٍ ... كبير يَفَنٍ بال (1)
كجيب الدِّفْنِسِ الْوَرْهَا ... ءِ رِيعت بعد إجفال (2)
تَفَتَّيتُ بها إذ كَـ ... ـرِهَ الشِّكَّةَ أمثالي (3)
وشهد الفِندُ الزَّمَّانيُّ حرب بكر وتغلب وقد قارب المائة سنة ، فأبلى بلاء حسناً ، وكان يوم التحالق الذي يقول فيه طرفة بن العبد :
سائلوا عنا الذي يعرفنا ... بِقُوَانَا يوم تَحْلاقِ اللِّمَمْ
يوم تبدي البيض عن أسْوُقِهَا ... وتَلُفُّ الخيل أعراج النَّعَمْ (5)  
___________________________________

(1)  المنتقى من بطون الكتب المجموعة الثانية ص:35 للشيخ محمد ابراهيم الحمد <إنتقاها من كتاب الاعتبار للأمير اسامة بن منقذ رحمه الله تعالى> .
(2)  اليَفَن : الشيخ الهرِم .
(3)  الدِّنفس : الحمقاء ، الورهاء : المتساقطة العقل .
(4)  تَفَتَّيتُ : أي تخلَّقت بأخلاق الفتيان ، الشِّكَّةَ : هي ما يُلبس من السلاح .
(5)  المنتقى من بطون الكتب المجموعة الثالثة ص:42 .

الجمعة، 10 يناير، 2014

المجاهد الداغستاني الإمام شامل



بقلم الدكتور محمد موسى الشريف
هو مجاهد من المجاهدين العظام في زمن اشتدت فيه حاجتنا إلى المجاهدين العظماء ، تعرض للشهادة في مواطنها ، وأبى إلا أن يغترف من كأسها الطاهر المطهر ، لكنه مات على فراشه بعد ملحمة طويلة ، ومعارك جليلة أذاق فيها الروس القياصرة الذل والهوان، وهزموا أمامه مراراً ، هذا وروسيا آنذاك من القوى العالمية في الطبقة الأولى ، وكانت في أوج عنفوانها وغطرستها ، قد هزمت نابليون وتقدمت حتى دخلت باريس سنة 1816 !!
والإمام شامل من داغستان ، ولد في قرية منها سنة 1212<هجري> / 1797<ميلادي> ، ونشأ فيها نشأة الأبطال الفرسان على أنه درس بعض العلوم على مشايخ من بلاده .
وداغستان جزء من منطقة القوقاز الشمالي الذي يضم معها الشيشان والانجوش وأوسيتيا ، وهذه المنطقة مواجهة تماماً للروس ، وهناك القوقاز الأوسط الذي هو جمهورية جورجيا الآن وكانت تعرف عند المسلمين بالكرج , وهناك القوقاز الجنوبي الذي فيه أذربيجان وأرمينيا ، والقوقاز غزاه المسلمون الأوائل وثبتوا في جنوبه وفي مناطق في شمال غربه ، لكن لوعورة المنطقة ولكثرة طوائف وأديان ومذاهب أهلها لم يستطع المسلمون أن يتحركوا شمالاً ، وغاية ما فعلوه أن سراقة بن عمرو الذي كان في زمن الخليفة الأموي مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية استطاع دخول تفليس ( تبليس ، عاصمة جورجيا اليوم ) .
ثم إن التتار ورأسهم تيمورلنك في مرحلة تحولهم إلى الإسلام نشروا الإسلام في أجزاء من الشيشان والداغستان وأنجوش .
ثم أرسلت الدولة العثمانية في مرحلة متأخرة نسبياً دعاة إلى الشيشان وأقنعوا جماعات من الشيشانيين بالتحول إلى الإسلام بعد أن كانوا وثنيين وكان هذا من قرابة ثلاثة قرون من الآن ، وكان ذاك عملاً رائعاً في منطقة وعرة ضخمة بها أشجار بلوط ضخمة يبلغ ارتفاع بعضها مائتين وثمانين قدماً ومحيطها خمسة وثلاثين قدماً !! والمنطقة مليئة بهذه الأشجار ، وبها جبال وعرة مما يصعب أي عمل عسكري فيها ، وهذا من فضل الله على أولئك الدعاة .
ومنذ أن دخل الشيشانيون إلى الإسلام عمدوا إلى الدفاع عن الإسلام ورفع لوائه إلى يوم الناس هذا ، ولم تفلح معهم كل محاولات التغريب والتنصير ، وهناك شعوب دخلت قبلهم في الإسلام لكنها أجبرت على التحول إلى النصرانية كما اجتاحها الروس القياصرة مثل شعب الكرج (جورجيا) التي دخلها الإسلام منذ عصر التابعين لكن الشيشانيين ثبتوا ولله الحمد .
كان لشامل صاحب يكبره بخمس سنوات يسمى غازي محمد ملا ، وكان رفيق دربه ، فكانا يدرسان معاً على المشايخ ، ويدوران على المساجد ، وابتدآ الجهاد معاً ، وكان لبدء الجهاد سبب مؤثر وهو أن غازي ملا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ثلاث مرات وهو يدعوه للجهاد ضد الروس .
والروس آنذاك هم الذين ابتدأوا بالاعتداء حيث كانت القيصرة كاترين تملكهم فأرسلت الجيوش إلى تلك المناطق ، وتتابع القياصرة من بعدها على إرسال الجيوش .
ولابتداء الضعف في الدولة العثمانية آنذاك -قبل قرابة مائتين وخمسين سنة من الآن- استطاع القياصرة أن يثبتوا احتلالهم لبعض المناطق هناك ، وإضافة إلى ابتداء الضعف في الدولة العثمانية كان هناك انعدام في تنسيق المواقف بينها وبين الدولة الصفوية في إيران بسبب تشيعها ، وكان هناك دولة قبرطاي الإسلامية وهم من الشراكسة ولم ينسقوا أيضاً مع الحركة الجهادية ضد الروس ، فأدى كل ذلك إلى احتلال الروس بعض المناطق في القوقاز ، وكان سائر العالم الإسلامي يغط في نوم عميق أو مشغول بمشكلاته الداخلية .
تقدمت الدولة الروسية لتحتل القوقاز وكان يدفعها سببان رئيسان :
أولاهما أن القوقاز طريق إلى التركستان فإذا أخذوا القوقاز سهل عليهم الاستيلاء على التركستان، ومن ثم يتقدمون لأخذ الهند من المغول المسلمين – وهذا هو الدافع الآخر ، وفعلاً ما إن أسقطوا دولة شامل إلا ودخلوا طشقند عاصمة أوزبكستان إحدى جمهوريات التركستان ، ولم يستغرق منهم هذا سوى سنة واحدة فقط بعد سقوط القوقاز .
لما رأى غازي محمد ملا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ثلاث مرات يأمره ببدء الجهاد تحدث إلى الداغستانيين بهذا فأجابوه وجاهد الروس ثلاث سنوات من سنة 1829 ، ثم حوصر في بلدته غمري هو وشامل ومن معهما ، فقتل غازي محمد ملا ، وهرب شامل .
ثم استطاع أن يجمع فلول الداغستانيين ويبتدئ الجهاد ضد الروس سنة 1834 إلى سنة 1839 ، وفي تلك السنة دل عليه بعض أمراء الداغستان الخونة وحاصره الروس بقوة ضخمة فيها مدافع لم يكن يملك الداغستانيون شيئاً حيالها حيث كان الروس يدكون البيوت بها دكاً ، لكن شاملاً استطاع الهرب أيضاً .
وبعد تفكير ومراجعة لأحواله في ظل خيانة أمراء الداغستان قرر التوجه إلى الشيشان ، وهو معقل حصين جبلي كان أهله أقوى إيماناً من الداغستانيين وأوفى ذمة ، وطبيعة الشعب الشيشاني الصعبة لا تسمح لهم بأن يرضخ بعضهم لبعض فكانوا بحاجة لرجل غريب يُسلسون له قيادهم فكان هذا هو الإمام شامل الذي استطاع أن يصل إلى القسم الجبلي من الشيشان ، وجمع حوله فلول أتباعه من الداغستانيين الذين انهزموا من الروس ، وبايعه أمراء الشيشان وقبائلهم ، وأعلنوه إماماً عليهم له حق السمع والطاعة والجهاد معه في سبيل الله تعالى .
لما سمع القيصر بهروب شامل وما صنعه في الشيشان استشاط غضباً وطلب من قائده حسم المعركة مع شامل فأرسل الجيوش إلى الشيشان وعلى رأسها أعظم القادة وأكثرهم خبرة في الحروب مع الداغستانيين ومع نابليون ، وقاومهم شامل ومن معه حتى اضطر القيصر لإرسال حملة عرفت بحملة دارجو وهي البلدة التي كان يتحصن فيها شامل وأمراؤه ، وكان حولها غابات كثيفة جداً ، وكان قائد الحملة يسمى جراد لكنه لم يتمكن من الوصول إلى دارجو حيث كمن له جيش شامل على أشجار البلوط الضخمة التي سبق وصفها ، فكان فوق كل شجرة 40 – 50 من العساكر وكانوا يسكبون الزيت المغلي على الروس ، ويرمونهم بالحراب والبنادق فحصدوا كثيراً منهم وفشلت الحملة وعادت أدراجها بعد خسائر ثقيلة .
ثم جرت مناوشات بين شامل وجراد متفرقة .
وبعد ثلاث سنوات في سنة 1845 أرسل القيصر حملة ضخمة قوامها ثلاثون ألف رجل بقيادة ضابط روسي فذّ اسمه روندسوف ، فمكر به شامل حيث جعله يتقدم في الأدغال إلى أن وصل إلى البلدة التي كان يتحصن بها شامل ، وترك فيها مجموعات قليلة لمقاومة روندسوف الذي تغلب عليها ، وسوّى بيوت البلد بالأرض بمدفعيته الضخمة ، وفي طريق عودته وكان فرحاً مسروراً بما صنع كان الشيشانيون ينتظرون جيشه في الليل فانقضوا عليه كالأسود ، وقتلوا منهم خمسة وعشرين ألفاً فلم ينج إلا خمسة آلاف نصفهم جرحى ، وقتل قواد روس كبار في المعركة .
شامل ومن معه كانوا من الصوفية النقشبندية الذين اشتهروا بالجهاد ، وهي من أصفى الفرق الصوفية ومن أقلها بدعاً ، وكان شامل ومن معه يسمون أنفسهم بالحركة المريدية ، وكانت أصول الحركة المريدية تقوم على الشدة والقوة والفروسية وعلى الأذكار والأوراد ، وضع شامل لجيشه نشيداً جهادياً جميلاً ينشدونه في معاركهم ، وقد وصفتهم الكاتبة الأمريكية ليزا في كتابها : "سيوف الجنة" وقالت فيه إن الشيشانيين كانوا يتقدمون للمعارك مع الروس وهم يرتلون القرآن الكريم ، وينشدون أنشودة الموت التي تبعث فيهم الحماس والقوة .
بعد حملة دارجو الثانية عمد الروس إلى خطة ماكرة حيث لاينوا أمراء الشيشان ورعاتهم ، وأمراء الداغستان فكانوا إذا أمسكوا بهم يطلقونهم ويكافئونهم بالأموال ، وكانوا في المقابل يقسون على المجاهدين جداً ، وبهذا تأثر كثير من عامة الشيشانيين والداغستانيين وكان هذا من أوائل بوادر الإخفاق الذي حدث لشامل بعد ذلك .
ارتكب شامل سلسلة من الأخطاء ، فقد كان رجلاً عسكرياً قوياً ، شديد الشكيمة ، صعب المراس ، فكان يقسو أحياناً على أتباعه ويفرض حركته المريدية على الشيشانيين ، فكان هذا يوجد نوعاً من التململ ، وثاني أخطائه الكبيرة أنه كان هناك رجل داغستاني اسمه مراد عدو لشامل في الداغستان فأصلح بينهما الشيشانيون وصار نائباً لشامل في الداغستان ، وكانت هناك طائفة من أمراء الداغستان حسدة لمراد فأوغروا صدر شامل عليه وأقنعوه أن يولي ابنه غازي محمداً ولاية العهد من بعده ففعل شامل وأخذ البيعة من الأمراء الشيشانيين والداغستانيين ، وهذا الأمر أغضب الحاج مراد جداً فاستقل عن شامل والتحق بالروس ، وهذه خيانة كبيرة لكن الحسد والحقد الذين استوليا على مراد وسوء التصرف من شامل أدى بمراد إلى هذا الذي صنعه ، على أن الروس بعد ذلك غدروا به وسجنوه ثم قتلوه ، وهي نهاية أليمة لرجل دوخ الروس عشر سنوات وكان له عمل جهادي جيد لكن أعوذ بالله من الحقد والحسد .
شامل قسم حركته المريدية تقسيماً بارعاً فكان له مائة نائب وألف مرشد ينتشرون في القوقاز الشمالي وكان الحاج مراد أحد النواب الكبار والساعد الأيمن لشامل الذي فقده في وقت كان في أمس الحاجة إليه .
استمر المد والجزر بين شامل والروس سنوات طويلة ، وقتل منهم جنوداً وقادة كثيرين ، وهذا يعد عملاً رائعاً بالنسبة لقوة الشيشان الصغيرة أمام جحافل الروس لكنه الإيمان الذي يصنع العجائب .
ومن المعارك التي تستحق الذكر أن الروس أرسلوا ولي عهد القيصر في جيش فيه كبار القادة وثلاثون ألف جندي ، كل هؤلاء توجهوا إلى بلدة صغيرة ، فغطى الشيشان أبواب بيوتهم ونوافذهم بالطين فصارت البيوت كتلة واحدة ، وغيروا سقوف بيوتهم إلى سقوف خفيفة رقيقة وغطوها بالتراب لتبدو كأنها هي السقوف الأصلية ، فكان الروس يقفزون فوق السقوف فيقعون في البيوت ليجدوا الشيشانيين المريدين أو المجاهدين في انتظارهم فيعملون فيهم ذبحاً وقتلاً ، فرجع الجيش خائباً خاسراً بسبب هذه الحيلة الذكية .
لكن شامل لم يكن يستطيع أن يصمد أمام هذه الحملات المتتابعة أكثر مما صمد ، فقد بقي في الجهاد قرابة ثلاثين عاماً ، لذا كانت نهاية قصة الجهاد العظيمة هذه أن استسلم للروس بعد أن حوصر في خمسمائة من أتباعه فقط من قبل جيش يقدر بأربعين ألف جندي ، لأنه رأى أن حقن دماء من بقي من أتباعه أولى له بعد أنه خانه عدد من أمراء الداغستان وخانته دولة الشراكسة القبرطاي ، وسلم نفسه للروس سنة 1859 -بعد ممانعة كبيرة من بعض أتباعه- فأخذوه إلى روسيا فبقي فيها مكرماً تسع سنوات من قبل القيصر والقادة .
ثم طلب من القيصر أن يسمح له بالحج فوافق بعد تردد ، فرافقته حملة روسية إلى أن خرج من حدودهم ، فحج ثم نزل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقر فيها مجاوراً ثلاث سنوات ثم انتقل إلى جوار ربه سنة 1871 بعد جهاد دام قرابة ثلاثين سنة ، ووقف صخرة شماء أمام أطماع القياصرة ونواياهم التوسعية في المنطقة القوقازية والتركستانية .
وكان من أهم أسباب إخفاق الحركة الجهادية المريدية الشاملية خيانات عدد من أمراء الداغستان ، وقسوة شامل على أتباعه في بعض الأحيان وعلى سائر الشيشانيين فانفض عنه كثير منهم ، وهناك عامل مهم هو عدم تنسيق الدولة العثمانية معه لضعفها آنذاك.
بعد استسلام شامل لم يستسلم الشيشانيون بل قاموا بثورات متتابعة ، ثم إنه لما جاءت الدولة البلشفية انتقمت من الشيشانيين فاتهمهم ستالين بمساعدة الألمان فهجر كثيراً منهم ، ثم عادوا إلى بلادهم سنة 1957 بعد هلاك ستالين ، واليوم الشيشانيون ما زالوا يكبدون الروس الخسائر الفادحة ، ولم تهنأ روسيا بالشيشان بعد شامل إلى يوم الناس هذا !! لكن الشيشانيين سيهنأون بالنصر قريباً إن شاء الله .
____________________________

المصدر : موقع التاريخ