السبت، 28 ديسمبر، 2013

جُحا بين الحقيقة والأسطورة





حقائق غيّبها التاريخ (جُحا بين الحقيقة والأسطورة )

بقلم :منال المغربي

Yafa-48@hotmail.com

جُحا الإنسان الذي أضحك الملايين بنوادره الطريفة وأخباره العجيبة التي تناقلتها الألسن على مرّ العصور ، أصبح اليوم في ذاكرة الناس مجرّد شخصية خرافيّة ، إلا أنّ المعاجم وكتب التراجم والأدب ورجال الحديث تبيّن لنا أنّ جُحا شخصية حقيقيّة لها تاريخها العريق وماضيها المشرق الذي غَفِل عنه الأكثرون نتيجة ما نُسِب إليه من النوادر والطرائف التي كرّسته رمزاً للحماقة والتغفيل .

فمن هو جحا ؟
قبل البَدء تجدر الإشارة إلى أنّ هناك شخصيتين حملتا هذا الإسم الأوّل اختلفت المصادر بشأن اسمه ، فقد قيل : نوح أو عبد الله أو دُجين أبو الغصن بن ثابت اليربوعي البصري ، ولقبه (جُحا) أو (جُحى) ، وكنيته أبو الغصن ينتهي نسبه إلى قبيلة فزازة العربية .
أوّل من ذكره الجاحظ حين أَورد في كتابه "القول في البغال" نوادر بطلها جُحا دون أن يترجم له . (1)
ولد جُحا في النصف الثاني من القرن الأوّل الهجري (60هـ) وقضى الشطر الأكبر من حياته في الكوفة ، توفي فيها في خلافة أبي جعفر المنصور عام (160هـ) .  
قال عنه الإمام الذهبي : "أبو الغصن صاحب النوادر دُجين بنُ ثابت اليربوعيُّ البصريُّ ، رأى دُجين أنساً، وروى عن أسلم، وهشام بنِ عُروة شيئاً يسيراً.... قال عبّاد بن صهيب : حدّثنا أبو الغصن جُحا- وما رأيت أعقل منه- قال كاتبه : لعلّه كان يمزح أيام الشبيب ة، فلمّا شاخ ، أقبل على شأنه ، وأخذ عنه المحدِّثون" (2) .
قال الإمام البخاري : "دُجين بن ثابت أبو الغصن اليربوعي ، سمع من أسلم مولى عمر ، روى عنه مسلم وابن المبارك" (3) .
أمّا الحافظ ابن حجر العسقلاني فقد فرّق بين دُجين المحدّث(البصري) ونوح الذي استقرّ في الكوفة ، وأورد حديثاً رواه حُجا فقال :" عن ابن عدي حدّثنا أبو خليفة حدّثنا مسلم حدّثنا الدجين بن ثابت الغصن عن أسلم مولى عمر قال : قلنا لعمر ، مالك لا تحدّثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أخشى أن أزيد أو أنقص ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من كذب عليّ متعمداً فليتبؤ مقعده من النار" . (4)
قال عنه ابن الجوزي : " رُوي عنه ما يدل على فطنة وذكاء ، إلا أنّ الغالب عليه التغفي ل، وقد قيل : إنّ بعض من كان يُعاديه وضع له حكايات ، والله أعلم ، عن مكي بن ابراهيم – هو مكي بن إبراهيم البلخي آخر من روى من التقات عن يزيد بن أبي عبيد ، عاش نيفاً وتسعين سنة ، مات سنة215هـ – أنّه كان يقول : رأيت جحا رجلاً كيِّساً ظريفاً ، وهذا الذي يُقال عنه مكذوب عليه ، وكان له جيران مخنثون يُمازحهم ويمازحونه فوضعوا عليه" (5) .
وربّما هذا ما دفع الإمام النسائي للقول عنه :" ليس بثقة ، وابن معين للقول : ليس حديثه بشيْ ، والدار قطني وغيره : ليس بالقوي ، ولعلّ التجريح قد جاء ممّا نُسِب إليه من نوادر وفكاهات لا تليق براوي حديث ، "وليس من المستحيل أن يكون محدّث البصرة قد وقع فريسة لكيد أهل الكوفة " (6) .
وقال القطب الشعراني في كتابه(المنهج المطهر للقلب والفوائد) : "عبد الله جُحا تابعي ، كما رأيته بخط الجلال السيوطي- الذي ألّف كتاباً عن جُحا ، جواباً لسؤال ورده مستفسراً عنه ، جَمع فيه القصص المنسوبة إليه ، سمّاه : "إرشاد من نحا إلى نوادر جُحا" - ، قال : وكانت أمّه خادمة لأم أنس بن مالك ، وكان الغالب عليه صفاء السريرة"(7) ، " فلا ينبغي لأحد أن يسْخر به إذا سَمِع ما يضاف إليه من الحكايات المضحكة ، بل يَسأل الله أن ينفعه ببركاته ، قال الجلال : وغالب ما يُذكرعنه من الحكايات المضحكة لا أصل له  ، قال شيخن ا: وذكره غير واحد ، ونسبوا له كرامات وعلوماً جمّة" . (8)

أمّا الشخصيّة الأخرى فهي نصر الدين خُوجة المعروف بجُحا الأتراك ؛ فلقد كان معلّماً وفقيهاً وقاضياً(9) ولد في قرية صغيرة تدعى خورتوعام 605هـ ، وتلقّى علومه فيها ، ووليَ القضاء في بعض النواحي المتاخمة لها ، كما ولي الخطابة في (سيوري مصار) ، عُيّن مدرِّساً وإماماً في بعض المدن .
كان عفيفاً زاهداً يحْرث الأرض ويحتطب بيده ، كما كانت داره محطة للوافدين من الغرباء والفلاحين (10) .
ولا يفوتنا أنْ نؤكّد في هذا المقام أنّ نصر الدين من كبار العلماء الأحناف ، وأنّ أكثر اشتغاله كان بعلم الفقه ، وقد أحبّه تلاميذه فأقبلوا على مجالسه يستمعون إليه ، وكانوا أَكثر من 300 تلميذ ، وقد غلب عليه لقب المعلّم ؛ لذلك اشتهر بين أهل تركيا بالخوجة ، كما كان واعظاً ومرشداً يأتي بالمواعظ في قالب النوادر والنكات الظريفة التي لم تُزعزع مكانته في قلوب الناس .
ومن المعروف عنه أنّه كانت له جُرأة على الحكّام والأمراء والقضاة الذين كان يدعوهم إلى السير بمقتضى الشرع الحنيف ، ويحضّهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبفضل علمه الغزير الذي اعترف به علماء الأناضول استطاع الوقوف في وجه (تيمورلنك) والتصدي له في العديد من المواقف ، فأَنقذ بذلك العديد من الناس من بعض مظالمه .
توفي عام 683هـ وضريح الشيخ موجود في مقْبرة آق شهر الكبرى(11) .

أمّا النوادر التي نُسبت إليه :" فيستحيل أن تصْدر ...عن شخصية واحدة لتباعد البيئات التي تُروى عنها" (12) - وهي نتيجة - ما وضعه الترْك وما وضعه غيرهم من عامّة الشعوب الشرقية الإسلامية ، وبعضه ممّا وضعه غير المسلمين من جِيران العثمانين -كالأرمن - (13) .

خِتاماً نقول : إنّه من الواجب علينا إعادة الاعتبار إلى هذه الشخصية التي أُخمط حقّها طوال القرون المنصرمة عندما أُلبست أثواب الطفيلين والحمقى ، وذلك بـ :
ـ إعادة الهويّة الإسلامية لجُحا ، من خلال التركيزعلى شخصية جُحا المسلم ، ورفض ما عداها من هويّات قوميّة أو وطنيّة (جُحا العربي –جُحا المصري - جحا التركي - جُحا الكردي - جُحا الفارسي) التي يحاول البعض إلصاقها به ؛ لأنّ هذا يصبّ في مصلحة أعداء الدين ، والدليل ما ورد على لسان وزير الكيان الصهيوني (أبا أبيان) عندما ألقى عام 1967 محاضرة بجامعة (برنستون) الأمريكية قال فيه ا: "من أوّل واجباتنا أن نُبْقي العرب على يقين راسخ بنسبهم القومي لا الإسلامي" .

ـ توقير جُحا بصفته رجل دين وفقيه ومحدّث ، وإنزاله المنزلة التي تليق به لا السخرية منه ، لأنّ تصويره بشكل كاريكاتوري فيه انتقاص من شأنه كعالم ، وتغييب لدوره الإصلاحي في المجتمع من توعية الناس ومواجهة الطُغاة والحكّام .

وأخير اً: إنّ الألقاب الكثيرة التي أُلصقت بشخصيّة جُحا منها : الأحمق والمغفّل والطفيلي تتعارض مع تعاليم ديننا الحنيف التي تنصّ على عدم السخرية من الآخرين ، فلقد قال الله سبحانه وتعالى :  { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } (سورة الحجرات: الآية :11)
____________________________________________________

الهوامش :
   [1] الجاحظ: القول في البغال ص37.
[2] الإمام الذهبي: سير أعلام النبلاء 8/172، 173.
[3] الإمام البخاري: التاريخ الكبير 3/257، 258.
[4] الحافظ ابن حجر العسقلاني: لسان الميزان 2/415، 416، والإمام الذهبي: ميزان الاعتدال في نقد الرجال 2/23، 24، وغيرها      من كتب رجال الحديث.
[5] الحافظ ابن الجوزي: أخبار الحمقى والمغفلين ص19.
[6] دائرة المعارف الإسلامية، ص2669.
[7] الفيروزآبادي: القاموس المحيط ص1269، مادة جحا.
[8] مرتضى الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس 19/271.
[9] الموسوعة العالمية، ص226.
[10] حكمت شريف الطرابلسي: نوادر جحا الكبرى ص17.
[11] محمد النجار: جحا العربي ص53.
[12] عباس محمود العقاد : جحا الضاح المضحك ص127-171.
[13] المصدر السابق .

المصدر : موقع التاريخ

مقترح لمكتبة المرأة المسلمة



بسم الله والحمد لله كالذي نقول وخيرا مما نقول والصلاة والسلام على المبعوث رحمه للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحبة الغر الميامين ،
وبعد :
كما قيل : (( المرأة نصف المجتمع وتنجب النصف الآخر ، فهي المجتمع كله ))
أقترح أن تجمع ما كتب عن المرأة المسلمة لمشاهير الكتاب خاصة في العصر الحديث ، نجد ذكر المرأة وقصص مشاهير نساء المسلمين في كتبهم مفرقة ، ولو تجمع لحصلت فائدة عظيمة .

مثال ذلك :
مؤلفات الأديب الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى نجمع ما كتبة عن المرأة المسلمة ,
مثال كتابة " رجال من التاريخ " تكلم في عنواين رئيسية :
معلمة الرجال
سيدة جليلة من سيدات المجتمع الإسلامي الأول
سلطانة الهند 
عائشة التيمورية 

وفي بعض الشخصيات مثل سيرة الخليفة عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه " الخليفة الكامل" كما سماه الشيخ , ذكرت سيرة زوجة الصالحة فاطمة بنت عبدالملك رحمه الله تعالى مع زوجها , كذلك نقتبسها سيرتها , وهكذا في باقي سير المذكورين في الكتاب اذا ذكرت المرأة .

هذا في كتاب رجال من التاريخ وجدنا أربع شخصيات رئيسية ونجد الكثير من الفرعية .
وهكذا نجمع ما كتبة الشيخ عن المرأة المسلمة في جميع مؤلفاتة ونجمعها في كتابة واحد .


ومثال ثاني : من كتاب " صلاح الأمة في علو الهمة " للشيخ سيد العفاني حفظه الله تعالى 
علو همة النساء في الفصل الرابع من المجلد السابع 
لو يوضع في كتاب منفصل لحصلت فائدة عظيمة .

وهكذا في مؤلفات مشاهير كتاب العصر من امثال :
الأستاذ أنور الجندي والأديب الرافعي والأديب المنفلوطي والأديب العقاد رحمهم الله تعالى والكثير من كتاب العصر المشهود لهم .


أرجو أن تنال الفكرة القبول

الجمعة، 27 ديسمبر، 2013

الجامع لتاريخ الهند الإسلامي وأعلامها وعلومها


بسم الله والحمد لله كالذي نقول وخيرا مما نقول والصلاة والسلام على المبعوث رحمه للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحبة الغر الميامين ،
وبعد :

تاريخنا الإسلامي المجيد في الهند لا يعد من مفاخر الإسلام فقط بل من مفاخر البشرية , فالهند كالأندلس لم يسطع نجمها إلا بعد أن دخلها الإسلام , فعندما تقرأ تاريخ الهند كأنك تقرأ تاريخ الأندلس وبالعكس , فكلا القطرين الغاليين قدم لإسلام والمسلمين الكثير من علماء أجلاء ومن قادة عظماء , ونشروا الحرية الحقيقة (وليست المزعومة التي يدعيها الغرب في عصرنا) وأخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عباد رب العباد , ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام , وأسسوا الحضارة بجميع جوانبها , حضارة يشهد لها كل منصف من غير المسلمين .
وإن كانت الأندلس سعدت بثمان قرون من عدل الإسلام , قبل أن يطردهم المحتل الصليبي الأسباني ....
فالهند سعدت لعشر قرون , قبل أن يطردوا منها بتحالف العدو التقليدي للمسلمين الصليبيين والهندوس  ....
وما فقد من الهند أضعاف ما فقدناه في الأندلس ......

ولأجل إحياء ذكرى الأندلس والهند جمعت بعض المقالات ورتبتها على حسب قدمها أحداثها .
أرجو من ربنا العليم الحكيم المعين أن يوفقني في أحياء فكرة تحرير بلادنا المحتلة وأن نسترجعها عن قريب بإذن ربنا العزيز .

وقبل ذكر مواضيع الهند في المدونة , أضع لكم رابط أندلسيات جمعت فية تسع وثلاثون تدوينة عن الفردوس المفقود :

والتالي عن الهند الفردوس الأكبر :

1- الإسلام في الهند :

2- فتح الديبل والشند :

3- بين طغان خان ومحمود بن سبكتكين :

4- قتل منهم مائتي ألف وأسر مائة ألف :

5- الغزنوي فاتح الهند :

6- سلطانة الهند :

7- الملك الصالح :

8- السلطان أورنك زيب عالمكير :

9- قصة الإسلام في الهند من الفتح إلى السقوط :

10- الإسهام الهندي في العلوم الإسلامية :

11- أعلام المحققين في الهند وجهودهم في نشر التراث العربي افسلامي :

12- دلهي حاضر المسلمين لعدة قرون :

13- سارق الحركة الوطنية من المسلمين , الهندوسي المتعصب غاندي :



# أنصح بموقع الهند الإسلامية للأخ أبويعلي البيضاوي المغربي , جزاه الله خير بذل مجهود كبير أسأل ربنا الكريم أن يكرمة في الدارين  :




مواضيع متجددة:-



1- الملك المؤيد المظفر شمس الدين الإيلتمش:

2- الملك المؤيد المنصور غياث الدين بلبن سلطان الهند
http://alhmdani897.blogspot.com/2015/12/blog-post_1.html

الخميس، 26 ديسمبر، 2013

بين طغان خان ومحمود بن سبكتكين



في بداية القرن الخامس الهجري وبالتحديد في السنة الثالثة بعد الأربعمائة من الهجرة كادت تقع بين قائدين من أكبر قادة الإسلام في ذاك الوقت وربما كانا أعظم قائدين في عصرهم فتنة عظيمة وحرب تدمر الفريقين .
طغان خان فاتح تركستان ومحمود بن سبكتكين فاتح الكثير من بلاد الهند 
وقبل أن يقع الصدام : راسل طغان خان يمين الدولة (محمود بن سبكتكين) وصالحه ، وقال له :
 المصلحة للإسلام والمسلمين أن تشتغل أنت بغزو الهند ، وأشتغل أنا بغزو الترك ، وأن يترك بعضنا بعضاً ؛ فوافق ذلك هواه ، فأجابه إليه ، وزال الخلاف ، واشتغلا بغزو الكفار . < الكامل في التاريخ الجزء الثامن ص76 >

رحمه الله تعالى القائدين العظيمين ولو أن جميع قادة الأسلام مثلهم لما وصلنا الى الحالة التي فيها الآن .

وبعد الصلح بخمس سنوات حدثت معركة من أعظم معارك الإسلام ولكن مع الأسف أن الكثير يجهلها كما يجهلون قائد المعركة الملك الصالح طغان خان :
http://alhmdani897.blogspot.com/2013/12/blog-post_3.html


أما القائد الثاني الملك الصالح يمين الدولة محمود بن سبكتكين فشهرة طغت على شهرة أخية طغان خان , وأهم غزواتة حدثت بعد الصلح بثلاث عشر سنة عندما فتح مدينة سنومات وكان بها معبد ضخم ويحوي صنما اسمه سومنات وهدم الصنم وكانت واقعة عظيمة .

نعم الصلح الذي حدث بينهم وآثاره الفتوحات العظيمة الباقية إلى يومنا .


هذا في المشرق أحداث تفرح الصديق وتغيض العدو .

أما المغرب وخاصة في الأندلس فعكس المشرق بدأت بوادر الفرقة سقطت الخلافة الأموية  وظهرت دول الطوائف وأصبح حال المسلمين بين الدول النصرانية الصليبية كالأيتام في مأدبة اللئام .




قصة الإسلام في الهند من الفتح إلى السقوط

سنتناول في هذا المقال قصة الإسلام في منطقة شبه القارة الهندية , والتي تمثل الآن عدة دول هي الهند وباكستان وبنجلاديش ونيبال وبوتان وسريلانكا والمالديف .

قصة الإسلام في الهند من الفتح إلى السقوطوصل الإسلام إلى الهند عن طريق التجارة والدعوة والفتح  , فمنذ أيام الخليفة عمر بن الخطاب كانت محاولات فتح الهند على نطاق ضيق ، وبدأت تأخذ شكلها الجلي في عهد الأمويين عندما أرسل الحجاج بن يوسف الثقفي عدة حملات لفتح الهند , فنجحت إحداها بقيادة محمد بن القاسم في فتح بلاد السند (جزء من باكستان اليوم) عام 92هـ ، واستمرت الحروب بين المسلمين والهنود حيث كان ملوك الهند وحكام مقاطعاتها والبراهمة (ذوو النفوذ الكبير في المجتمع الهندي حيث كانوا يعتبرون أعلى طبقة في المجتمع لدرجة ألحقتهم بالآلهة فمنحوا نفوذًا وامتيازات كبيرة في المجتمع الهندي) ، يحثون الطبقات الدنيا من الشعب الهندي لقتال المسلمين ودعاتهم خوفًا على مراكزهم ونفوذهم في المجتمع مما قلل من انتشار الإسلام في الهند. 

وفي عهد الدولة العباسية تمكن هشام بن عمرو التغلبي والي السند من فتح الملتان وكشمير .

ثم بضعف الدولة العباسية وتفكك أجزائها تكونت عدة إمارات في السند ، منها إمارة المنصورة وإمارة الملتان وإمارة إسماعيلية حتى جاء الغزنويون .

الغزنويون :

الغزنويونورث الغزنويون الدولة السامانية وتسموا بالغزنويين نسبة إلى مدينة غزنة , التي اتخذوها عاصمة لدولتهم ومؤسسها هو سُبُكْتكين الذي حارب البنجاب وانتصر عليهم , ثم جاء ابنه محمود بن سبكتكين ، وكان كثير الجهاد في سبيل الله وغزا في بلاد الهند سبع عشرة مرة , واستطاع أن يوحد أجزاء السند تحت إمرته ثم فتح قنوج وكوجرات , وهدم فيها معبد سومنات ، الذي يعتبره الهنود مكان تناسخ الأرواح حسب معتقداتهم , وانتشر الإسلام في أكثر الأجزاء التي فتحها محمود في الهند.. وتوفي محمود عام 421هـ ، وجاء ابنه مسعود ففتح مدينة بنارس على نهرالغانج ، وانتهى حكم الغزنويين عام 555هـ ، وتولى بعدهم الغوريون الحكم .

الغوريون :

استطاع شهاب الدين الغوري أن يسيطر على أجزاء الدولة الغزنوية , ثم أخذ يتوغل في بلاد الهند , وتمكن مملوكه قطب الدين أيبك من السيطرة على دهلي وانفرد بما تحت يديه , واتخذ دهلي عاصمة له وعين له نائبا على ما وراء نهر الغانج وهو محمد بن بختيار الخلجي الذي استطاع أن يفتح بيهار والبنغال ، واستقل بما لديه واتخذ لانغبور عاصمة له .

قطب الدين أيبك :

اعتقل شهاب الدين الغوري مملوكه قطب الدين أيبك ثم أعتقه , ومات شهاب الدين , فكوَّن قطب الدين دولة له ، واتخذ لاهور عاصمة لها .

ايلتمش :

لما مات قطب الدين أيبك استقل مملوكه شمس الدين ايلتمش بدهلي , وأسس أسرة حاكمة فيها انتهت عام 664هـ .

بلبن :

عندما مات ناصر الدين محمود بن ايلتمش تولى الحكم نائبه على دهلي غياث الدين بلبن , فانفرد بالسلطة وكوَّن أسرة حكمت حتى عام 689هـ .

دولة الخلجيين :

برز جلال الدين فيروز الخلجي نائب معز الدين كيقباد آخر ملوك دولة بلبن , فخرج على معز الدين وخلعه وقتله ، وتولى السلطة وأسس الدولة الخلجية .

جهز علاء الدين ابن أخي جلال الدين جيشًا التقى بعمه وقتله وتولى مكانه عام 696هـ ، وحارب التتار وانتصر عليهم وردهم عن دهلي , ودخل كوجرات وفتح في عام 703هـ بلاد الدكن في الهند , ووصل إلى أقصى جنوب الهند ودخل كيرالا ، وبموت علاء الدين تولى ابنه الصغير شهاب الدين الحكم , فكانت السلطة بيد نائب أبيه على دهلي , فسجن إخوة شهاب الدين الثلاثة وأعمى أعينهم واكتفى بحبس أخيهم الرابع (قطب الدين مبارك) ، فحزنت أمهم لذلك حزنًا شديدًا ، ودبرت لقتل نائب علاء الدين حتى قتل ، فتسلم الحكم مبارك وسجن أخاه شهاب الدين مع إخوته ، ثم أرسل جيوشه إلى غربي الدكن وكيرالا وأجزاء أخرى من الهند .

ثم اتفق الأمراء على خلع قطب الدين مبارك وتولية ابن أخيه خضر الذي كان غلامًا صغيرًا , فخاف قطب الدين على ملكه فقتل إخوته الأربعة وابن أخيه خضر ، أحس ناصر الدين خسرو خان كبير أمراء قطب الدين بالخطر القادم من سيده , فقتله وتسلم الحكم مكانه ولكن المسلمين كرهوه لميله للهنود , فجاء أمير السند غياث الدين بقوة ، ودخل دهلي وتسلم الحكم بينما فر ناصر الدين خسرو .

آل تغلق :

يعتبر غياث الدين تغلق هو مؤسس أسرة تغلق , التي حكمت الهند قرابة قرن من الزمان منذ عام 720هـ , وتولى بعده ابنه جونه الذي تسمى بمحمد ، وتلقب بأبي المجاهد فكان يقتل تارك الصلاة ، وتمكن من فتح كيرالا وأرسل قوة إلى الصين ولكنها هلكت في جبال الهيمالايا ، ولما مات تولى ابن عمه فيروز شاه الذي كان من العابدين , فأنشأ المدارس وبنى المساجد والمستشفيات ، وأقام الحصون , وبعد موته عمت الفوضى في البلاد , وتنازع الأمراء على الحكم ، ثم تولى الحكم عدة ملوك حتى دخل تيمورلنك دهلي عام 801هـ , ثم خرج منها فرجع إليها محمود شاه آخر ملوك آل تغلق , ثم مات عام 815هـ وبموته انتهى حكم آل تغلق وكان دخول تيمورلنك الهند السبب الرئيسي في تفكك الدولة الهندية المسلمة واستقلال كل إمارة بذاتها .

آل خضر :

خضر هو أحد رجال تيمورلنك وقد بقي بدهلي حتى بعد خروج تيمورلنك ، واستطاع أن ينفرد بالسلطة بعد موت محمود شاه , وحكمت أسرته حتى عام 855 حيث خرج بهلول اللودي على علاء الدين آخر ملوك آل خضر ، وتمكن من الانتصار عليه وأسس الأسرة اللودية .

اللوديون :

أسسها بهلول اللودي الأفغاني وحكمت في دهلي من عام 855هـ حتى 932هـ ، وفي نفس الوقت كانت هناك عدة إمارات في الهند مستقلة بذاتها الغالبية العظمى منها يحكمها المسلمون , والقليل جدًّا يحكمها هندوك مثل إمارة فيا يانكر في أقصى غربي جنوب الهند ، وكانت تقاتل الإمارات المسلمة .

الحكم المغولي (التيموريون)

محمد بابر شاه :

تمكن إبراهيم الثاني آخر ملوك اللوديين من السيطرة على الحكم في دهلي , فاتصلوا بظهير الدين محمد بابر حاكم غزنة في بلاد الأفغان , الذي أقبل بجيشه إلى الهند , واستطاع أن ينتصر على إبراهيم الثاني في موقعة باني بت عام 932هـ واتخذ من مدينة أغرة مقرًّا له في الهند ، ثم اجتمع بقية أمراء اللوديين ، وتعاون معهم الراجبوت الذين يمثلون أكبر قوة في وسط الهند , وكوَّنوا حلفًا ضد ظهير الدين فأعلن ظهير الدين الجهاد ضد الكفرة والراجبوت ومن يؤازرهم , فالتقى الجمعان في موقعة خانوه عام 933هـ ، وانتصر ظهير الدين وأعلن بعدها التسامح الديني في الهند ليسيطر على الحكم , وتوفي عام 937هـ وتولى بعده ابنه همايون .

همايون :

وفي عهده تفتتت الدولة المغولية واستقلت الكثير من الإمارات وازداد الخطر الصليبي ، فقد وصل البرتغال إلى سواحلالهند , وأقاموا بعض المراكز لهم منذ عام 914هـ ، واستنجد حاكم كوجرات المستقلة بالخليفة العثماني سليمان القانوني لإبعاد البرتغاليين عن سواحله ، فأرسل الخليفة أسطولاً كبيرًا أنزل بالبرتغاليين هزائم منكرة , ثم تعاهد حاكم الكوجرات مع البرتغاليين على بناء قلعة لهم في ديو عام 942هـ , ثم عاد فنقض معهم العهد ودخل معهم الحرب ، فانتصر البرتغاليون واحتلوا ديو عام 943هـ , فسارع الخليفة سليمان العثماني بإرسال الأسطول العثماني إلى الهند ، فحاصر ديو ، ولكن حاكم كوجرات ظن أن العثمانيين يريدون ضم كوجرات فمنع عنهم المؤن ، فاضطر الأسطول العثماني أن يغادر سواحل كوجرات , وتمكن همايون من ضم أكثر بلاد الأفغان لملكه ودخل كابل .

محمود جلال الدين (أكبر شاه) :

وفي عهده بلغت الدولة أقصى اتساع لها فقد ضم معظم الهند ، إضافةً إلى بلاد الأفغان ، وفي عام 986هـ اتخذ فكرة غريبة ظنًّا منه أنها ستقوي نفوذه في الهند ,  وهي إيجاد دين يجمع بين الإسلام والبراهمية والبوذية والزرادشتية وغيرها ، وحرم ذبح الأبقار وأباح الزواج من المشركات بل وأباح للمشركين الزواج من المسلمات , وجعل مدينة فتح بور مقرًّا للعقيدة المخترعة ، وفي عهده تأسست فرقة السيخ ذات الفكر الغريب , ويعتبر غور هو مؤسسها حيث يدعى أتباعه أنه ذهب إلى مكة وحج للبيت وقرأ القرآن وعرف أنه إله , وأعطاه الملك أكبر شاه قطعة أرض بنى عليها مدينة أمريستار , ويصل عددهم الآن في الهند إلى 10 ملايين يتركزون في البنجاب .

ثم تولى من بعده عدة حكام من أشهرهم  محيي الدين محمد أورنكزيب  الذي ضم إلى ملكه بخارى وخوارزم وبيجابور وأبطل ما ابتدعه أكبر شاه ودون الفقه ، ثم جاء ابنه قطب الدين محمد معظم بهادور فاعتنق المذهب الشيعي ، وبدأت الدولة في عهده في الضعف , وقوى أمر السيخ والمهراتا , وتوالى الحكام وازداد الضعف وبدأت الإمارات الهندية تستقل , فاستقل السيخ بالبنجاب ، واستقل المهراتا بالكوجرات , واستقلت الدكن , وبدأ النفوذ الإنجليزي يدخل الهند حتى انتهت الدولة المغولية بآخر حكامها بهادور ، حيث أسقط الإنجليز الدولة المغولية عام 1273هـ ونفوا بهادور خارج الهند .

الاستعمار (الإستخراب) الأوربي للهند

البرتغاليون :

كانوا أول الأوربيين وصولاً إلى الهند , فقد وصل فاسكودي جاما إلى الهند عام 904هـ , فطمع في البلاد فعاد فاستأذن دولته في احتلال الهند ، فأرسلت الأساطيل لاحتلال الهند , واستطاع البرتغاليون الاحتفاظ فقط ببعض المواقع الساحلية ، ولم يستطيعوا التوغل للداخل لكثرة السكان وقلة عدد البرتغاليين ، وكان الأمراء المسلمون في الهند يستعينون في البداية بالمماليك ، ولكن البرتغاليين انتصروا عليهم ثم استعان الأمراء المسلمون في الهند بالعثمانيين , فأعانوهم وانتصروا على البرتغاليين ، ولكن خشي بعض الأمراء أن يضم العثمانيون ممالكهم إليهم ، فمنعوا عنهم المؤن فغادر العثمانيون الهند ، واحتفظ البرتغاليون ببعض المراكز الساحلية في الهند ، مثل : دامان شمال بومباى , وجزيرة ديو , وغوا ، إضافةً إلى جزر المالديف وجزيرة سيلان (سريلانكا) التي احتلها البرتغاليون , وارتكبوا فيها الفظائع , وأبشع الجرائم ضد المسلمين منها مذبحة ماتار في سريلانكا عام 1053هـ , ومارسوا الاضطهاد الدائم للمسلمين ، واستطاع البرتغاليون أن يسيطروا على التجارة في المحيط الهندي ما يزيد على قرن .

الهولنديون :

عندما استقل الهولنديون عن الأسبان وتحطم الأسطول الإسباني عام 998هـ على يد الإنجليز , لم تكتف هولندا بالاستقلال عن الأسبان بل سعت للحصول على أكبر قدر ممكن من المستعمرات , ومنها جزر المالديف وجزيرة سريلانكا , وغيرهما في المحيط الهادي , وبدأ الهولنديون في رفع أسعار التوابل لسيطرتهم على الكثير من طرق التجارة في المحيط الهادي ؛ مما شجع الإنجليز على الدخول في المنافسة معهم .

الإنجليز :

عندما رفعت هولندا أسعار التوابل عمل الإنجليز على التجارة مباشرة مع المشرق , فعملوا على إنشاء شركات تجارية لهم في بلاد المشرق , واتخذت عدة أسماء حتى اتحدت معًا ، وتسمت باسم (شركة الهند الشرقية) ، وكانت مراكزها في البداية في جزر الهند الشرقية (إندونيسيا وماليزيا) وغيرهما ؛ لأن البرتغاليين والهولنديين منعوا إنجلترا من دخول الهند , فدخلت معهم في حرب , حتى تمكنت من النزول على بر الهند , وكانت أول المدن التي نزلتها هي مدراس , ثم توغلوا في الهند حتى دانت لهم كلها إلى أن استقلت عنهم .

الفرنسيون :

اتبعوا نفس سياسة الإنجليز في إنشاء شركات تجارية فرنسية في الهند , وكانت الشركات الأجنبية كلها تحرص على شراء أراض لها , وبناء حصون لها لدعم مركزها في الهند , وتمهيدًا لاحتلال البلاد , وكان للفرنسيين بعض المراكز في الهند منها مونديشيري وعندر ونياوان وكاريكال .

الاحتلال الإنجليزي للهند :

بدأت (شركة الهند الشرقية) الإنجليزية في شراء الأراضي في الهند وبناء الحصون , وأخذت تتوغل في الهند ، وفي البداية كانت تنقل المواد الخام إلى أوربا من الهند , ثم بحدوث الثورة الصناعية في أوربا أخذت تنقل المواد المصنعة من أوربا إلى الهند ، وفي نفس الوقت كانت الشركات الإنجليزية تحصل على ضرائب من السفن التي تمر في الطرق التي تسيطر عليها ، حيث كان للشركة الإنجليزية أسطول يحميها , فتحولت الشركة البريطانية من ملكية الأفراد لها إلى ملكية بريطانية لها , بعد أن تملكت بريطانيا أملاك شركة الهند الشرقية أخذت تغزو الإمارات الهندية وتضم الواحدة تلو الأخرى ، ورأى الإنجليز أن المسلمين هم العقبة الأساسية في توغلهم في الهند , فأخذوا يستميلون الهنادك ، وخاصة أن الهنادك يحقدون على المسلمين ؛ لأنهم هم الحكام . وفي نفس الوقت كان العداء الصليبي المستفحل من الإنجليز يدفعهم لفعل أي شيء ضد المسلمين , فأخذ الإنجليز يعينون الهنادك والسيخ والمهراتا على المسلمين حتى تمكن لهم في الهند 

سقوط الدولة المغولية في الهند :

كانت إنجلترا إذا احتلت جزءًا من الهند عملت على تقريب الهنادك واضطهاد المسلمين , وكانت الحامية البريطانية في الهند تتضمن هنودًا سواء من المسلمين أو الهنادك ، وذلك للحصول على مصدر يرزقون منه , حيث عم الفقر في البلاد بعد سيطرة الإنجليز على كل مواردها ، وفي مرة من المرات أمر الإنجليز جنودهم باستخدام الشحم المأخوذ من الخنزير لكي يصونوا بنادقهم , فثار المسلمون على هذا الأمر ورفضوه ، وخاصة أنه يمس عقيدتهم , فقضى الإنجليز على الثائرين من المسلمين , فتألم إخوانهم لذلك وهجموا على الضباط الإنجليز , وقتلوا أحدهم ثم فروا إلى دهلي عند الملك بهادور آخر ملوك المغول ، واشتعلت الثورة في أكثر بلاد الهند , فسار الإنجليز بقوة كبيرة إلى دهلي وحاصروها , ثم استطاعوا دخولها لتفوق أسلحتهم وقبضوا على الملك بهادور وقتلوا أبناءه أمامه ، بل وطبخوا له طعامًا من لحومهم , ونفوه إلى رانغون عاصمة بورما , وألغى الإنجليز الحكم المغولي في الهند , وأعلنت فرض سيطرتها الكاملة على كافة أجزاء الهند , وأخذوا ينكلون بالمسلمين فهدموا الكثير من المساجد وصادروا أملاكهم ، وحولوا بعض المساجد إلى ثكنات عسكرية , ورحب الهنادك بهذه الأفاعيل ، وأخذوا يشاركون الإنجليز في أفاعيلهم الوحشية .

ولم يكتف الإنجليز بذلك بل عملوا على فتح المدارس للهنادك وتحضيرهم , في حين أن المسلمين كان الكثير منهم يرفض الالتحاق بهذه المدارس ؛ لأنها تبث كره الإسلام والمسلمين , وتعمل على نشر النصرانية , فعم الجهل والفقر بالمسلمين بعد أن كانوا حكام البلاد ، وبرغم ذلك فقد كان هناك بعض الحكام لبعض الولايات من المسلمين والمعينين من قبل الإنجليز ؛ لأن حكمهم للبلاد كان واقعًا وعرفًا معتادًا للهنادك برغم قلة عددهم بالنسبة للهندوك .

وقد حرص الإنجليز على تفتيت المسلمين وهدم الإسلام ,  وذلك من خلال تشجيع الفكرة القومية الهندية من جهة ، ومن جهة أخرى إنشاء فرق ضالة ذات وجهة إسلامية لتفريق صفوفهم , فعملت على إحياء فكرة العقيدة المشتركة لأكبر شاه , ووجدت ضالتها في أحد المسلمين ويدعى مرزا غلام أحمد القادياني ودعمته في تأسيس مذهب القاديانية الضال ، وانقسمت فرقته إلى فرقتين : الأحمدية ، والقاديانية .

وما زال الإنجليز إلى يومنا هذا يدعمون القاديانيين في كل مكان لمحاربة الإسلام في كل بقاع الأرض , ورغم ذلك حاول المسلمون مقاومة المستعمرين الإنجليز , وعملوا على تكوين الأحزاب والجمعيات الخاصة بهم , وكان الإنجليز والهنادك يقفون ضدهم دائمًا .
__________________________________________________
موقع قصة الإسلام للدكتور راغب السرجاني

الغزنوي.. فاتح الهند



أحمد تمام 



اهتم الخلفاء الراشدون بفتح بلاد الهند ؛ فبعثوا منذ عهد عمر بن الخطاب عدة حملات على أطراف هذه البلاد ، غير أن الفتح المنظم بدأ في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك ، حيث قام عامله على العراق الحجاج بن يوسف الثقفي بهذه المهمة العظيمة ، فأعد حملة عسكرية وجهزها بما يكفل لها النجاح من عدة وعتاد ، وأسند قيادتها إلى واحد من أكفأ القادة وأمهرهم هو ابن أخيه محمد بن القاسم ، وكان دون العشرين من عمره ، فنهض بهذه المهمة على خير وجه ، وتمكن من التوغل في بلاد الهند ، وفتح مدينة "ديبل" وأقام بها مسجدا ، وترك بها حامية من أربعة آلاف جندي ، وأصبحت ديبل أول مدينة عربية في الهند .

وهذه المدينة كان موقعها قريبا من "كراتشي" لكنها اندرست ولم يعد لها وجود الآن ، وواصل القائد المظفر حملته الناجحة في شمال الهند ، وهو ينتقل من نصر إلى نصر ، وأهالي البلاد تقبل عليه ؛ فرحًا به لسماحته وحسن سياسته ، وتعدّه محررَها من ظلم الهندوس واستعبادهم .

غير أن هذا الحلم الجميل بدا يتحطم ويتبدد ؛ فقد توفي الحجاج الثقفي صاحب اليد البيضاء في هذا الفتح ، ومن بعده الخليفة الوليد بن عبد الملك ، وتولى العراق حاكم جديد ، فأوقف الفتح وعزل محمد بن القاسم عن ولاية السند .

وظلت السند تابعة للدولة الأموية ومن بعدها الدولة العباسية ، وحافظ المسلمون على ما فتحوه ، وتوسعوا قليلا في ضم أجزاء أخرى إلى دولتهم ، حتى سيطر المسلمون على المنطقة الواقعة بين كابل وكشمير والملتان .


قيام الدولة الغزنوية :
كانت "غزنة" بأفغانستان ولاية نائية ، تخضع للدولة السامانية التي تحكم خراسان وما وراء النهر ، ويقوم عليها ولاة من قِبلها ، وشاءت الأقدار أن يلي غزنة سنة (366هـ= 976م) والٍ يسمى "سبكتكين" كان يتمتع بهمة عالية وكفاءة نادرة ، وطموح عظيم ، فنجح في أن يبسط نفوذه على البلاد المجاورة ، وشرع في غزو أطراف الهند ، وسيطر على كثير من المعاقل والحصون هناك ، حتى تمكن من تأسيس دولة كبيرة في جنوبي غرب آسيا ، وتوفي سنة (387هـ=997م) .

ولاية محمود بن سبكتكين :
بعد موت سبكتكين خلفه ابنه إسماعيل ، بعد أن عهد إليه أبوه بالملك من بعده ، غير أن أخاه الأكبر محمود - وكان سند والده في غزواته وحروبه - رفض أن يقر لأخيه بالملك لضعفه وسوء تدبيره ، فنهض عليه واستطاع بعد سبعة أشهر أن ينتزع الملك لنفسه ، ويقبض على زمام الأمور ، وبدأ عهد جديد لم تشهده المنطقة من قبل ، فلم يكد يستقر الأمر له ، حتى بدأ نشاطًا واسعًا في الفتوح ، وأثبت أنه واحد من كبار الفاتحين في تاريخ الإسلام ، حتى قيل إن فتوحه تعدل في المساحة فتوح عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

قضى محمود الغزنوي الفترة الأولى من حكمه في تثبيت أركان دولته ، وتوسيع رقعتها على حساب الدولة السامانية التي دبّ الضعف في أوصالها ، فرأى الفرصة سانحة للقضاء عليها ، وتم له ذلك في (جمادى الأولى 389هـ= أبريل 999م) بعد انتصاره على عبد الملك بن نوح الساماني في موقعة حاسمة عند مرو ، وأصبحت خراسان خاضعة له ، ثم تصدى للدولة البويهية ، وانتزع منها الري وبلاد الجبل وقزوين .

فتح الهند :
بعد أن استقرت الأحول لمحمود الغزنوي واستتب له الحكم ، وأقرته الخلافة العباسية على ما تحت يده من بلاد ، تطلّع إلى بسط سيطرته على بلاد الهند ، ومد نفوذه إليها ونشر الإسلام بين أهلها ؛ ولذلك تعددت حملاته على الهند حتى بلغت أكثر من سبع عشرة حملة ، وظل يحارب دون فتور نحوًا من سبع وعشرين سنة ، بدأت من عام (390هـ= 1000م) ، حيث قاد حملته الأولى على رأس عشرة آلاف مقاتل ، والتقى عند مدينة بشاور بجيش "جيبال" أحد ملوك الهندوس ، وحقق نصر غاليا ، ووقع الملك الهندي في الأسر ، الذي لم يستطع أن يتحمل هزيمته والعار الذي لحق به ، فأقدم على حرق نفسه ، بعدما أطلق الغزنوي سراحه مقابل فدية كبيرة .

ثم تعددت حملات الغزنوي ، وفي كل مرة كان يحقق نصرا ، ويضيف إلى دولته رقعة جديدة ، ويبشر بالإسلام بين أهالي المناطق المفتوحة ، ويغنم غنائم عظيمة ، حتى توج فتوحاته في الهند بفتح بلاد "الكجرات" ، ثم توجه إلى مدينة "سومنات" سنة (416هـ= 1025م) وكان بها معبد من أكبر معابد الهند ، يحوي صنما اسمه "سومنات" وكان الهندوس يعظمونه ويحملون إليه كل نفيس ، ويغدقون الأموال على سدنته ، وكانت مدينة سومنات تقع في أقصى جنوب الكجرات على شاطئ بحر العرب ، فقطع الغزنوي الصحاري المهلكة حتى بلغها ، واقتحم المعبد ، وهزم الجموع الغفيرة التي حاولت إنقاذ المعبد ، ووقع آلاف الهندوس قتلى ، وسقط المعبد في أيدي المسلمين .

وغنم الغزنوي أموالا عظيمة قُدرت بنحو عشرين مليون دينار ، وعاد إلى غزنة سنة (417هـ=1026م) وظلت ذكرى هدم معبد سومنات عالقة في ذاكرة الهندوس لم يمحها كرّ السنين ، ولا تغيرها الأحول ، حتى إذا ما ظفرت الهند باستقلالها عمدت إلى بناء هذا المعبد من جديد في احتفال مهيب .

ولم يكن الغزنوي مدفوعا في فتوحاته برغبة جامحة في كسب الغنائم أو تحقيق مجد يذكره له التاريخ ، ولكن قاده حماسه لنشر الإسلام ، وإبلاغ كلمة التوحيد في مجتمع وثني ، وكانت تلك الحملات مسبوقة بطلب الدخول في الإسلام ، وإلى هذا أشار السير "توماس أرنولد" في كتابه "الدعوة إلى الإسلام" بقوله : وفي الحق أن الإسلام قد عُرض في الغالب على الكفار من الهندوس قبل أن يفاجئهم المسلمون .

وكانت حصيلة جهود محمود الغزنوي أن أتمّ فتح شمال شبة القارة الهندية ، ففتح إقليم كابلستان ، وملتان ، وكشمير ، وأخضع البنجاب ، ونشر الإسلام في ربوع الهند ، وفتح طريقا سلكه من جاء بعده .

وقد نظر المؤرخون المسلمون إلى أعماله نظر إعجاب وتقدير ، فقد بلغ بفتوحاته إلى "حيث لم تبلغه في الإسلام راية ، وأقام بدلا من بيوت الأصنام مساجد الإسلام" .

النهضة الحضارية والثقافية 
البيروني :
اكتسب الغزنوي مكانته في التاريخ بفتوحاته التي لم تُسبق ، وبجهوده الحضارية التي لم يشغله عنها فتوحاته وغزواته ، وكان العزنوي نفسه مولعا بعلم الحديث ، يستمع إلى علمائه كما كان فقيها له مؤلفات ، ولا يكاد يسمع بعالمٍ له مكانة حتى يستدعيه إلى دولته ، فاستقدم "أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني" المتوفى سنة (440هـ= 1049م) الذي نبغ في علوم كثيرة ، في مقدمتها الرياضة والفلك ، وعُدّ من أعظم رجال الحضارة الإسلامية ، وتُرجمت كتبه إلى اللغات الأوروبية ، وأطلقت روسيا اسمه على جامعة أنشأتها حديثا .

وعني السلطان بالشعر وكان له به شغف ، ومن أشهر الشعراء الذين ازدانت بهم دولته الشاعر الفارسي "عنصري" وكان نديما للسلطان وشاعرا له ، منحه لقب "ملك الشعراء" في مملكته ، و"المسجدي" ، و"الفرخي" وهو شاعر فارسي عظيم قيل فيه : إن الفرخي لدى الفرس بمثابة المتنبي لدى العرب .

أما أبرز الشعراء في هذا العصر فهو "الفردوسي" صاحب "الشاهنامة" التي نظمها في خمسة وعشرين عاما من الجهد والإبداع ، وتشمل أخبار الفرس القدامى ، وهي من عيون الأدب العالمي .

ومن أبرز كتّاب الدولة ومؤرخيها "أبو الفتح البستي" وكان كاتبا للسلطان وموضع سره ومستشاره في كثير من الأمور ، وله شعر رائق ونظم جيد ، و"أبو نصر محمد بن عبد الجبار العتبي" مؤرخ الدولة الغزنوية وكاتب السلطان مع أبي الفتح البستي ، له كتاب "اليميني" نسبة إلى يمين الدولة لقب السلطان محمود الغزنوي ، تناول فيه تاريخ الدولة الغزنوية .

وأصبحت غزنة في عهد السلطان محمود منارة للعلم ومقصدا للعلماء ، وغدت عامرة بالمساجد والقصور والأبنية التي لا تقل بهاءً وجمالا عن المنشآت الهندية التي اشتهرت بدقة التصميم وجمال العمارة .

وفاة الغزنوي :
ظل السلطان محمود الغزنوي يواصل جهاده حتى مرض ، وطال به مرضه نحو سنتين ، ومع ذلك لم يحتجب عن الناس أو يمنعه المرض من مباشرة أمور رعيته حتى توفي قاعدًا في (23 من شهر ربيع الأول 421هـ= 29 من أبريل 1030م) بعد أن أنشأ دولة واسعة ، ضمّت معظم إيران وبلاد ما وراء النهر وشمال الهند كله ، ونشر دينًا لا يزال له أتباع كثيرون في الهند .

________________________________________________
مصدر الخريطة : أطلس التاريخ العربي والإسلامي  

هوامش ومصادر :
 نظام الدين بخشي الهروي- المسلمون في الهند- ترجمة أحمد عبد القادر الشاذلي- الهيئة العامة للكتاب- القاهرة 1995م.
 عبد المنعم النمر- تاريخ الإسلام في الهند- المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر- بيروت 1401هـ=1981م.
 حسن أحمد محمود- الإسلام والحضارة العربية في آسيا الوسطى- دار النهضة العربية- القاهرة 1968م.
 عصام الدين عبد الرؤوف- تاريخ الإسلام في جنوب غرب آسيا- دار الفكر العربي- القاهرة 1975م.
 حسين مؤنس- أطلس تاريخ الإسلام- الزهراء للإعلام العربي- القاهرة 1407هـ=1987م.


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Culture/0/25196/#ixzz2oX6kn0RH

دلهي : حاضرة المسلمين لعدة قرون



د. أحمد الشاذلي

دلهي

حاضرة المسلمين لعدة قرون

تفخر مآذنها بماضيها الإسلامي


الهند بلادٌ فريدةٌ في معتقداتها ، عجيبةٌ في تاريخها وآدابها وأجناسها ولغاتها ، تاريخُها طويلٌ يمتدُّ آلاف السنين ، كتب عنها المجلدات الكبيرة : في التاريخ والأدب ، والفلسفة ، والعقائد ، وما زال هناك الكثير لم يُكشَف عنه النقاب بعدُ .

إذا عددنا تاريخ وآداب الهنود ، وسكان شبه القارة الهندية قبل الإسلام ، وجدْنا الإسلام بحضارته وثقافته يحتلُّ مكانًا بارزًا في تاريخ الهند : السياسي ، والفكري ، والعقائدي .

لقد أسَّس المسلمون دولةً واسعةَ الأرجاء ، وحَمَلوا معهم دينَهم ، ولغاتِهم ، وثقافتَهم ، وتراثَهم ، واعتنق كثيرٌ من الهنود الإسلامَ ، وتحدَّثوا بلغة الفاتِحين المسلمين ، وأَسهَموا بإسهاماتٍ كثيرة في الثقافة الإسلامية ، وألَّفوا ، وصنَّفوا آلاف المجلدات النفيسة في العلوم والآداب الإسلامية .

الباحث في تاريخ المسلمين في الهند يجد مجالاً واسعًا ، لا يقف عند حدود المكان أو الزمان ، ويجدُ متَّسعًا في الفكر عند قراءة الآداب الإسلامية .

لقد عمَّر المُسلِمون الهند حين جاؤوا إليها منذ القرن الأوَّل الهجري ؛ حيث بدأ العرب المسلمون يَطرُقون أبوابَها في عهد الوليد بن عبدالملك ، فقد قاد محمد بن القاسم القائد العربي المسلم جيشًا استولى فيه على إقليم السند، وبدأ يخطِّط للتعمير والبناء والتشييد ، وضع أُسُس الحضارة الإسلامية ، حين أسَّس مدينة المنصورة في الملتان ؛ لتكون مقرًّا للحكومة الإسلامية .

لم تكن مدينة المنصورة هي المدينةَ الإسلاميةَ الوحيدة التي أقامها المسلمون في الهند ؛ بل أصبحت كلُّ بقعةٍ من بلادِ الهند على اتِّساعها تَشهَد بالوجود الإسلامي ، سواء في إقامة المدن ، أو تشييد المساجد والمدارس ، أو تعبيد الطرق ، وحفر الآبار .

إن أسماء المدن الهندية ، مثل : حيدر آباد ، والله آباد ، وشمس آباد ، وهمايون آباد ، وتغلق آباد ، وأجرا ، ودهلي - توضِّح الأثر الإسلامي ، والدور الذي قام به المسلمون لتعمير الهند .

عندما تَختَفِي الرؤية الحقيقية للأمور ، وتتدنَّى النفوس الحاقدة ، وتُغمِض عينَها عن الحقائق الدامغة ، يكون لزامًا على المسلمين مواجهةُ الافتراءاتِ والأكاذيب ، وفضح أساليب طَمسِ المعالم الإسلامية ، وهي أساليب أصبحت ظاهرةً من ظواهر هذا العصر .

تحريف الأسماء العربية :
لقد عَمِل الأوربيُّون من قبلُ لتحريفِ الأسماء العربية ، وطمسِ جهود المسلمين ، وإنكار فضلِهم على أوربا والعالم ، وتحوَّلت الأسماء العربية إلى كلمات غربية الإيقاع ، غريبة على السماع ، فحين يقولون عن ابن رشد Averoes "أفيروس" ، وابن سينا Avicenne "أفيسين" ، وأبي معشر Albumazar "البومازار" ، ويحرفون الأسماء تحريفًا متعمدًا لطمس الهُوِيَّة الإسلامية ؛ لذا وجب مواجهةُ هذه الأساليب ، ومجابهة هذه الافتراءات .

المعالِم الإسلامية واضحةٌ تمام الوضوح في كل مكان نزل فيه المسلمون ، العمائر الشامخة تنبئ عن قدرة وعظمة المسلمين ، عندما وطئوا أرض الأندلس زَرَعوا أرضها بالمدن العامرة ، حتى صارت قرطبةُ ، وغرناطةُ، وإشبيلية ، وغيرها من مدن الأندلس - قِبلةً للقادمين من أوربا لتلقي العلم والمعرفة .

المدارس ، والمعاهد ، والمراصد التي ما زالت أطلالُها إلى يومنا هذا تَشهَد للمسلمين بالعظمة ، وتتحدَّى الحاقدين على المسلمين وتراثهم .

والهند واحدةٌ من البلدان التي خَضَعت لسلطان المسلمين سبعة قرون متتالية ، عاشت خلالَها في أمن وأمان ، شَهِد لها الرَّحَّالة الأوربيُّون قبل المسلمين ، حين زارها "ماركو بولو" وجد سلاطين المسلمين يحكمون بالعدل والإنصاف ، في وقتٍ كانت أوربا تَعِيش تحت حكام مستبدِّين .

على الرغم من أن جميع الشعوب الغازية - سواء في العصور القديمة أو الحديثة - تَلْجَأ إلى أساليب التدمير والهدم ، ومحاربة الشعوب والجيوش معًا ، وقد شَهِد التاريخ من أمثال ذلك الكثير في حروب المَغُول ، وغزوات الرومان والفرس ، وحتى في العصر الحديث حين قام الروس بتدمير "جروزني" عاصمة الشيشان ؛ من أجل إخضاع شعبها ، وحين قام الصِّرْب بتدمير "سراييفو" ، و"توزلا" ، و"موستار" ، و"بيهاتش" ؛ من أجل ضمِّها بالقوة ، على الرغم من كل هذا ، إلا أن هذه النظرة لم تكن عند الفاتحين المسلمين .

هذا هو الإسلام :
الفاتحون المسلمون لم يدمِّروا مدنًا ، ولم يحارِبوا شعوبًا ، ولم يَهدِموا عمرانًا ، ولكنهم أقاموا المدن ، وأنشؤوا المراصد والمدارس ، وألفوا بين الشعوب ، لم يدمِّروا تراث السابقين ، ولم يَهدِموا المعابد والكنائس ، لم يَقتَلِعوا زرعًا ، ولم يُبِيدوا نخلاً ؛ وإنما عَمروا الخرابات ، وأصلحوا ما أفسدته عوامل الزمن .

ومن أهم العمائر الإسلامية في الهند مدينة "دهلي" ، وهي المعروفة في الكتابات العربية "دلهي" ، والمعروفة حاليًّا بـ"نيودلهي" عاصمة الدولة الهند ، فهي مدينة إسلامية ، اتخذها المسلمون عاصمةً لدولتهم منذ وطئوا تلك البلاد ، وظلَّت كذلك حتى نهاية دولتهم .

اختار المسلمون مدينة "دهلي" على الضفة اليُمنَى من نهر "جمنه" ، وهو أحد فروع نهر "الجانج" ، واتخذوها قاعدةً لهم ، وحاضرة لدولتهم ، وكانت من قبلُ قريةً مجهولة .

كان الغَزْنَوِيُّون قد فتحوا بلاد الهند ، ولكنهم اتخذوا "لاهور" عاصمة لهم بعد غَزْنَة ، على الرغم من أن جيوشهم كانت قد وصلتْ إلى أقصى بلاد الهند .

وعندما استقر الحكام المسلمون في الهند في عهد المماليك الغُورِية في أوائل القرن السابع الهجري ، اتخذوا "دهلي" عاصمة لهم .

كان السلطان "قطب الدين أيبك" قد استولى على شمال الهند من حاكمها الهندوسي "يرتوي راجا" ، واستقر في "دهلي" ، وأقام عدَّة عمائر وأحياء بالمدينة ، كان من أشهرها المنارة الضخمة التي ما زالت أطلالها باقيةً حتى الآن .

قطب منار :
والمنارة التي تسمَّى باسم "قطب منار" - نسبة إلى قطب الدين أيبك - من العجائب البديعة التي مزجت بين الفن الإسلامي والفن الهندي ، وهي من روائع العمائر الإسلامية في الهند ، ويجاور المنارة برج النصر الذي يرتفع 258 قدمًا .

وكانت "منارة قطب الدين" هي أولَ منارةٍ تقام في "دهلي" على مسجد يسمَّى باسم "مسجد قطب الإسلام" ، وهذا المسجد به العديد من الفنون الإسلامية التي أضيفت إليه في السنوات التالية .

لقد أقام "علاء الدين خلجي" بوابة ضخمة لهذا المسجد تسمَّى "دروازة علائي"، وأدخل تعديلاتٍ على المسجد ، وتوسيعاتٍ كبيرة ، كما أقيمت عدَّة أضرحة لبعض السلاطين المسلمين في ساحة المسجد ، وكان أشهر الأضرحة بهذا المسجد "ضريح الشيخ قطب الدين جشتي" .

ومدينة "دهلي" الإسلامية تتكوَّن من سبع مدنٍ :
أقدمها : المدينة المعروفة "بدهلي" .
وثانيها : مدينة "سيري" ، التي بناها السلطان علاء الدين خلجي في أوائل القرن الثامن الهجري .
وثالثها : المدينة المسمَّاة باسم "جهان بناه" ؛ أي : مَلاذ العالَم .
ورابعها : مدينة "تغلق آباد" ، التي بناها السلطان "تغلق شاه" .
والخامسة : هي مدينة "فيروز آباد" ، التي بناها السلطان "فيروز شاه" . 
والسادسة : هي مدينة "أجره" ، التي اتخذها السلطان "بابر شاه" و"همايون شاه" عاصمة لهما .
والمدينة السابعة : هي "شاهجان آباد" .

إسلامية الآثار :
ومدينة "دهلي" تكاد تَنطِق بإسلامية آثارها ، ويكادُ يَنطِق كلُّ حجر في عمائرها معبرًا عن قدرة وعظمة المسلمين .
  
في كل شبرٍ من المدينة الضخمة نرى الآثار الإسلامية ؛ من قصورٍ ، ومساجدَ ، وقلاعٍ ، ومدارسَ ، وأضرحةٍ ؛ ففيها : مسجد "خركي" المسقوف بأكمله على شاكلة مساجد قرطبة ، والمسجد الجامع الذي بناه "تيمور لنك" ، ومسجد "موتى" ، الذي يعد من أعظم المساجد في المدينة ، والمسجد الجامع الذي بناه "شاهجان" ، ويعد آية من آيات الفن المعماري الإسلامي .

بالإضافة إلى المساجد التي ما زالت أطلالها باقية حتى اليوم ، كانت هناك القصور ، والقلاع ، والحصون ، وأهمها : "قصرُ القلعة الحمراء" الذي أنشأه "شاهجهان" ، و"قصر الحصن" ، و"قصور فيروز شاه" ، و"آل لودي" المغول المسلمين في الهند .

ومن الآثار الإسلامية في "دهلي" قاعة الموسيقا "نقار خانه" ، والديوان العام ، والديوان الخاص ، والأسوار التي أقيمت حول المدينة في عصور مختلفة .

لقد استمرَّ المسلمون يوسِّعون في مدينة "دهلي" حتى أواخر القرن السابع عشر الميلادي ؛ حيث أنشأ السلطان "أورنجزيب" بعض القصور والمساجد .

تاج محل :
وعندما بدأ سلطانُ المسلمين يتوارى ؛ بسبب الهجمات الخارجية ونفوذ الإنجليز في البلاد ، هجر آخر سلاطين المسلمين "شاه عالم الثاني" "دهلي" عاصمة المسلمين سنة 1803م ، حيث استولى عليها الإنجليز .

لقد زار الهندَ بعضُ الرَّحَّالة الأوربيين في القرن العاشر الهجري ، في عهد السلطان أكبر ، الذي فتح بلاطه لجميع الديانات ، وقابل رُسُل ملوك أوربا ، الذين سجَّلوا الأحوال في الهند تحت سلطان المسلمين ، ورصدوا التقدَّم العمراني والحضاري والثقافي ، في ظل سلاطين المسلمين .

وتعدُّ مقبرةُ "تاج محل"، التي بناها السلطان "شاهجان" لزوجته "ممتاز محل" واحدةً من عجائب الدنيا السبع ، والتي ما زالت شامخة حتى الآن في مدينة "أجرا" "بدهلي" ؛ لتعبر عن أصالةِ الفنِّ والمعمار الإسلامي في الهند .

إن "تاج محل" ليست إلا واحدةً من آلافِ الآثار الإسلامية الراقية ، ولعلها واحدةٌ من الآثار التي نالت الاهتمام بين الآلاف من التحف المعمارية الإسلامية في الهند التي تعاني من الإهمال والتعدي .

وإذا كان الاعتداء على مسجد "بابري" وبعض المساجد الإسلامية يهدِف إلى محو الهُوِيَّة الإسلامية ، فإن محوَها لن يتم إلا بمحوِ كل المدن الهندية ، وأولها مدينة "دهلي" عاصمة الهند .

خير أمة أخرجت للناس :
الحضارة الإسلامية هي حضارة أمَّة ليست ككلِّ الأمم ؛ وإنما هي خير أمة أخرجت للناس ، ومن هنا ؛ فإن تراثها الحضاري يجب أن يكون خيرَ تراثٍ يقدَّم للبشرية . 

لقد سَعَى الأوربيون لاستبعاد العرب عن أصل الحضارة ، واتَّهموهم باتهاماتٍ باطلة وزائفة ، وحَارَبوا كلَّ فكرٍ عربيٍّ ؛ سعيًا منهم للحدِّ من انتشار الإسلام ، وكانت الاتهامات الموجَّهة ضد العرب وإبرازهم في صورة مُزْرِية - مقصودًا بها الهجوم على الدين الإسلامي ، الذي يمثل عمادَ الحضارة التي أقامها المسلمون .

لقد وُجِدَ المسلمون في الأندلس ، وبعد رحيلِهم قهرًا ، ظلَّت أرض الأندلس تفخَر بوطءِ المسلمين لها ، ووُجِدَ المسلمون في الهند ، فلم يَترُكُوها وظلُّوا بها بعد أن نَزَع المستعمِرون عنهم سلطانَ الحكم والسيادة ، إلا أنهم لم يتمكَّنوا من نزع التراث الإسلامي من تراث الهند ، ولم يتمكَّنوا من محوِ الفكر الإسلامي من الفكر الهندي .

"دهلي" أو "نيودلهي" عاصمة الهند اليوم ، وعاصمة المسلمين بالأمس - ما زالت تفخر بماضيها الإسلامي العريق .

_________________________________________________________

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Culture/0/45921/#ixzz2oX1SqQ1I