الجمعة، 25 أكتوبر، 2013

أبويوسف يعقوب المنصور الموحدي



 صاحب المغرب  السلطان الكبير ، الملقب بأمير المؤمنين المنصور أبو يوسف يعقوب ابن السلطان يوسف ابن السلطان عبدالمؤمن بن علي، القيسي  الكومي المغربي المراكشي  الظاهري وأمه أمة رومية اسمها سحر .
عقدوا له بالامر سنة ثمانين وخمس مئة عند مهلك أبيه ، فكان سنه يومئذ ثنتين وثلاثين سنة .
وكان تام القامة ، أسمر ، صافيا ، جميل الصورة ، أعين ، أفوه ، أقنى ، أكحل ، سمينا ، مستدير اللحية ، جهوري الصوت ، جزل العباره ، صادق اللهجة ، فارسا ، شجاعا ، قوي الفراسة ، خبيرا بالامور ، خليقا للامارة ، ينطوي على دين وخير وتأله ورزانة .
عمل الوزارة لابيه ، وخبر الخير والشر ، وكشف أحوال الدواوين .

وزر له عمر بن أبي زيد، ثم أبو بكر بن عبد الله بن الشيخ عمر إينتي ، ثم ابن عم هذا محمد الذي تزهد ، وأختفى ، ثم أبو زيد الهنتاني ، وزير ولده من بعده .
وكتب له السر ابن محشوة  ، ثم ابن عياش الاديب .
وقضى له ابن مضاء ، ثم الوهراني ، ثم أبو القاسم بن بقي .

ولما تملك ، كان حوله منافسون له من عمومته وإخوته ، ثم تحول إلى سلا ، وبها تمت بيعته ، وأرضى آله بالعطاء ، وبنى مدينة تلي مراكش على البحر ، فما عتم أن خرج عليه علي ابن غانية الملثم ، فأخذ بجاية ، وخطب للناصر العباسي ، فكان الخطيب بذلك عبد الحق مصنف (الاحكام) ، ولولا حضور أجله ، لاهلكه المنصور .
ثم تملك ابن غانية قلعة حماد، فسار المنصور ، واسترد بجاية ، وجهز جيشه ، فالتقاهم ابن غانية فمزقهم ، فسار المنصور بنفسه ، فكسر ابن غانية ، وذهب مثخنا بالجراح ، فمات في خيمة أعرابية ، وقدم جيشه عليهم أخاه يحيى ، فانحاز بهم إلى الصحراء مع العرب ، وجرت له حروب طويلة ، واسترد المنصور قفصة ، وقتل في أهلها ، فأسرف ، ثم قتل عميه سليمان وعمر صبرا ، ثم ندم ، وتزهد ، وتقشف ، وجالس الصلحاء والمحدثين ، ومال إلى الظاهر ، وأعرض عن المالكية ، وأحرق ما لا يحصى من كتب الفروع .
قال عبد الواحد بن علي : كنت بفاس ، فشهدت الاحمال يؤتى بها ، فتحرق ، وتهدد على الاشتغال بالفروع ، وأمر الحفاظ بجمع كتاب في الصلاة من (الكتب الخمسة) ، و (الموطأ) ، و (مسند ابن أبي شيبة) ، و (مسند البزار) ، و (سنن الدار قطني) ، و (سنن البيهقي) ، كما جمع ابن تومرت في الطهارة .
ثم كان يملي ذلك بنفسه على كبار دولته ، وحفظ ذلك خلق ، فكان لمن يحفظه عطاء وخلعة .
إلى أن قال : وكان قصده محو مذهب مالك من البلاد ، وحمل الناس على الظاهر ، وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده ، فلم يظهراه ، فأخبرني غير واحد أن ابن الجد أخبرهم قال :
 دخلت على أمير المؤمنين يوسف ، فوجدت بين يديه كتاب ابن يونس ، فقال :
 أنا أنظر في هذه الآراء التي أحدثت في الدين ، أرأيت المسألة فيها أقوال ، ففي أيها الحق ؟ وأيها يجب أن يأخذ به المقلد ؟ فافتتحت أبين له ، فقطع كلامي ، وقال : 
ليس إلا هذا ، وأشار إلى المصحف ، أو هذا ، وأشار إلى (سنن) أبي داود ، أو هذا ، وأشار إلى السيف .

قال يعقوب : يا معشر الموحدين ، أنتم قبائل ، فمن نابه أمر ، فزع إلى قبيلته ، وهؤلاء - يعني طلبة العلم  - لا قبيل لهم إلا أنا ، قال : فعظموا عند الموحدين .

وفي سنة خمس وثمانين غزا الفرنج ، ثم رجع ، فمرض ، وتكلم أخوه أبويحيى في الملك ، فلما عوفي ، قتله ، وتهدد القرابة .
وفي سنة تسعين انتقضت الهدنة ، فتجهز ، وعرض جيوشه بإشبيلية ، وأنفق الاموال ، فقصده ألفنش  فالتقوا ، وكان نصرا عزيزا ، ما نجا ألفنش إلا في شريذمة ، واستشهد من الكبار جماعة ، واستولى يعقوب على قلاع ، ونازل طليطلة ، ثم رجع ، ثم غزا ، ووغل ، بحيث انتهى إلى أرض ما وصلت إليها الملوك ، فطلب ألفنش المهادنة ، فعقدت عشرا ، ثم رد السلطان إلى مراكش بعد سنتين ، وصرح بقصد مصر .

وكان يتولى الصلاة بنفسه أشهرا ، فتعوق يوما ، ثم خرج ، وهم ينتظرونه ، فلامهم ، وقال :
 قد قدم الصحابة عبد الرحمن بن عوف للعذر ، ثم قرر إماما عنه .
وكان يجلس للحكم ، حتى اختصم إليه اثنان في نصف ، فقضى ، ثم أدبهما ، وقال :
 أما كان في البلد حكام ؟ .
وكان يسمع حكم ابن بقي من وراء الستر ، ويدخل إليه أمناء الاسواق ، فيسألهم عن الامور .
وتصدق في الغزوة الماضية  بأربعين ألف دينار .
وكان يجمع الايتام في العام ، فيأمر للصبي بدينار وثوب ورغيف ورمانة .
وبنى مارستان ما أظن  مثله ، غرس فيه من جميع الاشجار ، وزخرفه وأجرى فيه المياه ، ورتب له كل يوم ثلاثين دينار للادوية ، وكان يعود المرضى في الجمعة .

وورد عليه أمراء من مصر، فأقطع واحدا تسعة آلاف دينار .
وكان لا يقول بالعصمة في ابن تومرت .
وسأل فقيها : ما قرأت ؟ قال: تواليف الامام ، قال : فزورني ( فنظر إلي نظرة المغضب ) ، وقال:  ما كذا يقول الطالب ! حكمك أن تقول : قرأت كتاب الله ، وقرأت من السنة ، ثم بعد ذا قل ما شئت .

قال تاج الدين ابن حمويه : دخلت مراكش في أيام يعقوب ، فلقد كانت الدنيا بسيادته مجملة ، يقصد لفضله ولعدله ولبذله وحسن معتقده ، فأعذب موردي ، وأنجح مقصدي ، وكانت مجالسه مزينة بحضور العلماء والفضلاء ، تفتتح بالتلاوة ثم بالحديث ، ثم يدعو هو ، وكان يجيد حفظ القرآن ، ويحفظ الحديث ، ويتكلم في الفقه ، ويناظر ، وينسبونه إلى مذهب الظاهر .
وكان فصيحا ، مهيبا ، حسن الصورة ، تام الخلقه ، لا يرى منه اكفهرار ، ولا عن مجالسه إعراض ، بزي الزهاد والعلماء , وعليه جلالة الملوك ، صنف في العبادات ، وله (فتاو) ، وبلغني أن السودان قدموا له فيلا فوصلهم ، ورده ، وقال :
 لا نريد أن نكون أصحاب الفيل ، ثم طول التاج في عدله وكرمه ، وكان يجمع الزكاة ، ويفرقها بنفسه ، وعمل مكتبا للايتام ، فيه نحو الف صبي ، وعشرة معلمون .
حكى لي بعض عماله : أنه فرق في عيد نيفا وسبعين ألف شاة .

وقال عبد الواحد : كان مهتما بالبناء ، كل وقت يجدد قصرا أو مدينة ، وأن الذين أسلموا كرها أمرهم بلبس كحلي وأكمام مفرطة الطول ، وكلوتات ضخمة بشعة ، ثم ألبسهم ابنه العمائم الصفر ، حمل يعقوب على ذلك شكه في إسلامهم ، ولم تنعقد عندنا ذمة ليهودي ولا نصراني منذ قام أمر المصامدة ، ولا في جميع المغرب كنيسة ، وإنما اليهود عندنا يظهرون الاسلام ،  ويصلون ، ويقرئون أولادهم القرآن جارين على ملتنا .
قلت : هؤلاء مسلمون ، والسلام .
وكان ابن رشد الحفيد  قد هذب له كتاب (الحيوان)  وقال : الزرافة رأيتها عند ملك البربر ، كذا قال غير مهتبل ، فأحنقهم هذا ، ثم سعى فيه من يناوئه عند يعقوب ، فأروه بخطه حاكيا عن الفلاسفة أن الزهرة أحد الآلهة ، فطلبه ، فقال : أهذا خطك ؟ فأنكر ، فقال :  لعن الله من كتبه ، وأمر الحاضرين بلعنه ، ثم أقامه مهانا ، وأحرق كتب الفلسفة سوى الطب والهندسة .
وقيل : لما رجع إلى مراكش ، أحب النظر في الفلسفة ، وطلب بن رشد ليحسن إليه ، فحضر ، ومات ، ثم بعد يسير مات يعقوب .

وقد كتب صلاح الدين إلى يعقوب يستنجد به في حصار عكا ، ونفذ إليه تقدمة ، وخضع له ، فما رضي لكونه ما لقبه بأمير المؤمنين ، ولقد سمح بها ، فامتنع منه كاتبه القاضي الفاضل .
وقيل : إن يعقوب أبطل الخمر في ممالكه ، وتوعد عليها فعدمت ، ثم قال لابي جعفر الطبيب : ركب لنا ترياقا ، فأعوزه خمر ، فأخبره بذلك ، فقال : تلطف في تحصيله سرا ، فحرص ، فعجز ، فقال الملك : ما كان لي بالترياق حاجة ، لكن أردت اختبار بلادي .

قيل : إن الادفنش كتب إليه يهدده ، ويعنفه ، ويطلب منه بعض البلاد ، ويقول : وأنت تماطل نفسك ، وتقدم رجلا ، وتؤخر أخرى ، فما أدري الجبن بطأ بك ، أو التكذيب بما وعدك نبيك ؟  فلما قرأ الكتاب ، تنمر ، وغضب ، ومزقه ، وكتب على رقعة منه :  { ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها.. } الآية [ النمل: 37 ] ، الجواب ما ترى لا ما تسمع .
ولا كتب إلا المشرفية عندنا * ولا رسل إلا للخميس العرمرم
 ثم استنفر سائر الناس ، وحشد ، وجمع ، حتى احتوى ديوان جيشه على مئة ألف ، ومن المطوعة مثلهم ، وعدى إلى الاندلس ، فتمت الملحمة الكبرى ، ونزل النصر والظفر ، فقيل : غنموا ستين ألف زردية .
قال ابن الاثير : قتل من العدو مئة ألف وستة وأربعون ألفا ، ومن المسلمين عشرون ألفا .

وذكره أبو شامة ، وأثنى عليه ، ثم قال : وبعد هذا فاختلفت الاقوال في أمره ، فقيل : إنه ترك ما كان فيه ، وتجرد ، وساح ، حتى قدم المشرق متخفيا ، ومات خاملا ، حتى قيل : إنه مات ببعلبك .
ومنهم من يقول : رجع إلى مراكش ، فمات بها ، وقيل :  مات بسلا ، وعاش بضعا وأربعين سنة .
قلت : إليه تنسب الدنانير اليعقوبية.
قال ابن خلكان : حكى لي جمع كبير بدمشق أن بالبقاع بالقرب من المجدل قرية يقال لها : حمارة ، بها مشهد يعرف بقبر الامير يعقوب ملك المغرب ، وكل أهل تلك الناحية متفقون على ذلك .
قيل : الاظهر موته بالمغرب ، فقيل : مات في أول جمادى الاولى ، وقيل :  في ربيع الآخر ، وقيل : مات في صفر سنة خمس وتسعين .
وقد يقال : لو مات مثل هذا السلطان في مقر عزه ، لم يختلف هكذا في وفاته ، فالله أعلم ، لكن بويع في هذا الحين ولده محمد بن يعقوب المؤمني .

_________________________________________
سير أعلام النبلاء الجزء الحادي والعشرون 311/319 
مصدر الخريطة : أطلس التاريخ العربي والإسلامي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق