الأربعاء، 23 أكتوبر، 2013

رد الملك الصالح نجم الدين الأيوبي على رسالة لويس التاسع



وفي الساعة الثانية من يوم الجمعة لتسع بقين من صفر : وصلت مراكب الفرنج البحرية ، وفيها جموعهم العظيمة صحبة ريدافرنس - ويقال له الفرنسيس ، واسمه لويس ابن لويس . وريدافرنس لقب بلغة الفرنج ، معناه ملك أفرنس - وقد انضم إليهم فرنج الساحل كله ، فأرسوا في البحر بازاء المسلمين .
 وسير ملك الفرنج إلى السلطان كتاباً ، نصه بعد كلمة كفرهم :
أما بعد فإنه لم يخف عنك أني أمين الأمة العيسوية ، كما أني أقول أنك أمين الأمة المحمدية , وإنه غير خاف عنك أن أهل جزائر الأندلس يحملون إلينا الأموال والهدايا ، ونحن نسوقهم سوق البقر ولقتل منهم الرجل ونرمل النساء ، ونستأسر البنات والصبيان ، ونخلي منهم الديار ، وقد أبديت لك ما فيه الكفاية ، ونجلت لك النصح إلى النهاية ، فلو حلفت لي بكل الأيمان ، ودخلت على القسوس والرهبان ، وحملت قدامي الشمع طاعة للصلبان ، ما ردني ذلك عن الوصول إليك وقتلك في أعز البقاع عليك ، فإن كانت البلاد لي ، فيا هدية حصلت في يدي ، وإن كانت البلاد لك والغلبة علي ، فيدك العليا ممتدة إلي . وقد عرفتك وحذرتك من عساكر قد حضرت في طاعتي ، تملأ السهل والجبل ، وعددهم كعدد الحصى ، وهم مرسلون إليك بأسياف القضا .

فلما وصل الكتاب إلى السلطان وقرئ عليه ، اغرورقت عيناه بالدموع واسترجع .
فكتب الجواب بخط القاضي بهاء الدين زهير بن محمد ، كاتب الإنشاء ، ونسخته بعد البسملة وصلواته على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه أجمعين :
 أما بعد فإنه وصل كتابك ، وأنت تهدد فيه بكثرة جيوشك وعدد أبطالك . فنحن أرباب السيوف ، وما قتل منا قرن إلا جددناه ، ولا بغى علينا باغ إلا دمرناه . فلو رأت عيناك - أيها المغرور - حد سيوفنا وعظم حروبنا ، وفتحنا منكم الحصون والسواحل ، وأخرابنا منكم ديار الأواخر والأوائل ، لكان لك أن تعض على أناملك بالندم ، ولابد أن تزل بك القدم ، في يوم أوله لنا و آخره عليك . فهنالك تسيء بك الظنون ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ  } .  فإذا قرأت كتابي هذا ، فكن فيه على أول سورة النحل : {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } ، وكن على آخر سورة ص :  { وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْد حِين  }  ونعود إلى قول الله تبارك وتعالى وهو أصدق القائلين : {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } ، وإلى قول الحكماء : " إن الباغي له مصرع " وبغيك يصرعك ، وإلى البلاء يقلبك ، والسلام .

-----------------------------------------------------------
المصدر :  السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي 1/437/438
مصدر الخريطة : أطلس التاريخ العربي والإسلامي



هناك تعليق واحد:

محمد الفاتح يقول...

جزاكم الله خيرا
لكن يوجد بقية للقصة

إرسال تعليق