الخميس، 9 مايو، 2013

حتى الشسع

كثير من الناس لا يلجؤون إلى الله ، ولا يتضرعون إليه إلا إذا نزلت بهم عظائم الأمور وشدائدها من نحو المصائب الكبيرة كفقد الأحبة ، وخسارة الأموال الطائلة ، أو نزول الأمراض المستعصية ، وما جرى مجرى هذه الأمور .

أما ما عدا ذلك فلا يخطر ببالهم الدعاء ، والتضرع إلى الله ؛ لظنهم أنها أمور يسيرة لا تستدعي الانقطاع إلى الله .

ولا ريب أن ذلك خطأ يجدر بالمسلم تجنبه ؛ إذ اللائق به أن يعلق رجاءه بربه ، وأن يسأله كل صغيرة وكبيرة من أمره ؛ فتكدر الوالدين على الولد ، وسوء خلق الزوجة ؛ ونفور الأولاد ، وجفاء الأصحاب ، وتكاسل من يعمل تحت يد الإنسان ، وتعكس بعض الأمور عليه ، ونحو ذلك مما شاكله وجرى مجراه - كل ذلك من البلاء الذي يحتاج إلى دعاء وإنابة .

قال النبي صلى الله عليه وسلم :
(( سلوا الله كل شيئ حتى الشسع ، فإن الله - عز وجل - لو لم ييسره لم يتيسر )) .

والشسع : هو أحد سيور النعل ، وهو الذي يدخل بين الأصبعين ، ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل .

فقوله صلى الله عليه وسلم :
(( حتى الشسع )) : إشارة إلى أن ما فوقه أولى وأولى ، وأن الإنسان لا غنى له عن ربه - جل وعلا -

والمقصود من ذلك أن على العبد أن يتوجه إلى ربه في جميع حوائجه ؛ فالله - عز وجل - يحب أن يسأل ، ويرغب إليه في الحوائج ، ويلح في سؤاله ودعائه ، بل إنه - تبارك وتعالى - يغضب على من لا يسأله ، ويستدعي من عباده سؤاله ، وهو قادر على إعطاء خلقه سؤلهم من غير أن ينقص من ملكه شيئ ؛ فلا يحسن بالعبد -والحالة هذه- أه يدع الدعاء في دقيق أمره وجليله ،

وقد جاء في أثر إسرائيلي أن موسى - عليه السلام - قال :
(( يارب إنه لتعرض لي الحاجة من الدنيا ؛ فأستحيي أن أسألك إياها يارب )) .
فقال الله - تعالى - : (( ياموسى : سلني حتى محل عجينتك ، وعلف شاتك )) .


وكان بعض السلف - كما يقول ابن رجب - يسأل الله في صلاته كل حوائجه ، حتى ملح عجينته ، وعلف شاته .

ولقد أحسن الشيخ المكودي رحمه الله إذ يقول :

إذا عرضت لي في زماني حاجة

وقد أشكلت فيها علي المقاصد

وقفت بباب الله وقفة ضارع

وقلت إلهي إنني لك قاصد

ولست تراني واقفا" عند باب من

يقول فتاه : سيدي اليوم راقد



فإذا اعتاد الإنسان دعاء ربه ، وسؤاله كل شأن من شؤونه - كان حريا بالإجابة ، جديرا" بالعزة والكرامة .





المصدر : ارتسامات للشيخ محمد الحمد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق