الأحد، 12 مايو، 2013

وصايا صحية عن العرب :



هذا تحرير يشتمل على كلمات من الوصايا الصحية الواردة عن العرب قديماً ؛ إذ بها نعلم ما كان لهم في تلك العصور من العناية والدراية بكثير من القواعد الصحية ، والإرشادات الطبية المتبعة في عصرنا هذا ، وإليك البيان .

 قال الأصمعي : كانت امرأة من العرب تأتي بصبية لها قبل الصبح ، فتقف على تلٍّ عالٍ هناك وتقول : أي بَنِيَّ ! خذوا صفو هذا النسيم قبل أن تكدره الخلائق بأنفاسها .

هارون الرشيد كان ليلة بالحيرة ، فلما كاد أن يتنفس الصبح قال لجعفر ابن يحيى : قم بنا نتنفس هواء الحيرة قبل أن تكدره أنفاس العامة .

قلت : هذا مما يدل على ما كان للعرب في ذلك العهد من الاهتمام ، والعناية بالخروج إلى المواضع النقية الهواء ، الطيبة المناخ .

ومما يدل على ذلك -أيضاً - ما كتب به عمرإلى أبي عبيدة يوم طاعون عمواس إذ قال :  سلام عليك ، أما بعد فإنك أنزلت الناس أرضاً عميقة ، فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة .

 قال عمر بن الخطاب  : لا تزالوا أصحاء ما نزعتم ونزوتم .
يريد ما نزعتم عن القسي ، ونزوتم على ظهور الخيل ، وإنما أراد الحركة .

وفي حديث عمر : أن عمرو بن معدي كرب شكا إليه النقرس(1) ، فقال : كذِّب عليك الظهائر  - أي عليك بالمشي في الظهائر  - وهي جمع ظهيرة ، وهي ما ظهر من الأرض وارتفع .
 وفي حديث له آخر : أن عمرو بن معدي كرب اشتكى إليه المعص ، فقال : كذب عليك العَسْل -  يريد العسلان ، وهو مشي الذئب - أي عليك بسرعة المشي .

والمعص بالعين المهملة : التواء في عصب الرجل .

 وقال عمر بن الخطاب : إياكم والبطنة في الطعام والشراب ؛ فإنها مفسدة للجسم ، مورثة للسقم ، مكسلة عن الصلاة ، وعليكم بالقصد فيهما ؛ فإنه أصلح للجسد ، وأبعد عن السرف  .

ومن كلامه - يعني علي بن أبي طالب - :  يضر الناس أنفسهم في ثلاثة أشياء :
 الإفراط في الأكل ؛ اتكالاً على الصحة ،
وتكلف حمل مالا يطاق ؛ اتكالاً على القوة ، 
والتفريط في العمل ؛ اتكالاً على القدرة .
ومن كلامه - أيضاً  - : كثرة الطعام تميت القلب كما تميت كثرة الماء الزرع ، وإن من المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو يشتهيه .

 وقال عمرو بن العاص : فوالله ، ما بطن قوم قط إلا فقدوا بعض عقولهم ، وما مضت عزيمة رجل بات بطيناً .

وقال بعض الحكماء : لكل شيء صدأ ، وصدأ القلوب شبع البطون .

وقال بعض أطباء السواد : الدواء الذي لا داء فيه أن تقعد على الطعام وأنت تشتهيه ، وتقوم عنه وأنت تشتهيه .

قال عبد الملك بن مروان يوماً لأبي الزعزعة : يا أبا الزعيزعة ، هل أتخمت قط ؟  قال لا ، قال فكيف ؟  قال : لأنا إذا طبخنا أنضجنا ، وإذا مضغنا دقَّقنا ، ولا نكظ المعدة ، ولا نخليها .

 ومن وصايا الحارث بن كلدة الثقفي : لا تنم بالليل عرياناً ، ولا تقعد على الطعام غضباناً ، وارفق بنفسك ؛ يكن أرخى لبالك ، وقلل من طعامك ؛ أهنأ لنومك .
 ومن وصاياه - أيضاً -  : عليكم بتنظيف المعدة في كل شهر ؛ فإنها مذيبة للبلغلم ، مهلكة للمرة ، منبتة للحم ، وإذا تغدى أحدكم فلينم على إثر غدائه ، وإذا تعشى فليمش أربعين خطوة .
وبقي ابن كلدة إلى زمن معاوية  فقال له معاوية : ما الطب يا حارث ؟ فقال : الأزَمُ يا معاوية ؛ يعني الجوع .
_ قال أبو عثمان الثوري : لله در الحارث بن كلدة ؛ إذ زعم أن الدواء هو الأزَمُ . فالداء كله من فضول الطعام ، فكيف لا ترغب في شيء يجمع لك صحة البدن ، وذكاء الذهن ، وصلاح الدين والدنيا ، والقرب من عيش الملائكة ؟ 

____________________________________________________________________________
(1) النِّقرِس : ورم في مفاصل الكعبين وأصابع الرجلين ، ويقال : إنه يأتي من جراء الإفراط في أكل اللحم ، وهكذا كان عمرو بن معدي كرب فقد كان يقول  - كما ذكر في سيرته - : إني لأجلس على الجذع من الإبل فأنتقيه عظماً عظما !.




-------------------------------------------------------------------
المصدر : المنتقى من بطون الكتب للشيخ محمد ابراهيم الحمد  الجزء الثاني 106-107

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق