الخميس، 6 يوليو، 2017

عليكم باللغة العربية سيدة اللغات


جمادى الآخرة - 1329هـ
يونيه - 1911م
الكاتب: محمود سالم
__________

مقالة لمحمود بك سالم رئيس جماعة الدعوة والإرشاد
(نشرها بمجلة الطلبة المصريين)

{وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} (الشعراء: 192-195) (قرآن مبين) أيها الطلبة الأنجاب، أبناء مصر التي شرفها الله فذكرها مرارًا في كتابه الحكيم، عليكم بتعلم (اللغة العربية) لغة أجدادنا الأشراف الصالحين، الذين تركوا أحسن ذكر بين الأمم، وما زال تأثير أعمالهم المفيدة يعم الأقطار بفتوحات الدين الحنيف المستمرة، وانتشار الشريعة المطهرة التي أينما حلت وقوي سلطانها، أحيت طيب المبادئ وسامي الأفكار.

اللغة العربية أقدم اللغات الحية. هي لغة إبراهيم الخليل وزوجته السيدة هاجر المصرية وابنهما إسماعيل صادق الوعد، الذين أكرمهم الله ببناء البيت العتيق؛ ليكون مثابة للناس وأمنًا.

لا شك في أن علماء الآثار يعرفون لغات أخرى أقدم من العربية، ولكن كلها ماتت ودفن ذكرها في القراطيس، وأغلبها اندثر وانمحى من صحيفة الكون إلى يوم البعث حين يخرج أهلها من الأجداث كأنهم جراد منتشر. 
وجدت حديثًا أبنية شاهقة أسستها أمم راقية في أساليب العمران محفورة كتابات غريبة على جدرانها الآئلة إلى السقوط وسط الصحاري أو في أحضان الجبال. 
ولما قرئت أخيرًا تلك الكتابات العجيبة علم أنها تقرب من زمن عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام، وأنها بلغة عربية متينة تكاد ألفاظها وتراكيبها وقواعدها تكون كلها من مستعملات لغتنا الفصحى الحالية. 
وهذا ما أدهش العلماء، حتى إنهم وصفوا لغة القرآن المجيد باللغة التي ليس لها طفولة وشيخوخة؛ لأنها من يوم عرفت وهي كالغادة الحسناء في حلل الشباب والعافية، كأنها من الأبكار العرب الأتراب لأصحاب اليمين.

ومما ننقله في هذا الموضوع، ما ذكره في شأن لسان العرب العلامة أرنست رينان ذاك المستشرق الطائر الصيت، الذي فاقت شهرته الأقران في كتاب (تاريخ اللغات السامية) حيث قال:
من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القوية، وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحاري عند أمة من الرحل. 
تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها وحسن نظام مبانيها. 
وكانت هذه اللغة مجهولة عند الأمم، ومن يوم علمت ظهرت لنا في حلل الكمال إلى درجة أنها لم تتغير أي تغيير يذكر، حتى إنه لم يعرف لها في كل أطوار حياتها لا طفولة ولا شيخوخة. 
لا نكاد نعلم من شأنها إلا فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تبارى. 
ولا نعلم شبيهًا لهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملة من غير تدريج، وبقيت حافظة لكيانها خالصة من كل شائبة.
تجد اللغة الفرنسية لا يفهم كلام كتابها وشعرائها الذين ماتوا قبل ثلاث مائة سنة إلا من مهر في حل الطلاسم. 
وكذلك اللغة الإنكليزية وباقي لغات أوربة التي تتباهى الآن وتتيه فخرًا وإعجابًا. 
وكل تلك اللغات الحديثة في تغيير مستمر وتبديل مستديم. 
فبون بعيد بين لغة (موليير) مثلاً ولغة (زولا) عند الفرنسيس. 
وبون أبعد بين لغة (ملنن) ولغة (روسكن) عند الإنجليز.
أما أمة العرب التي كرمها الله ورفع شأنها باصطفاء عبده الأكرم من بين أشراف أشرافها؛ ليكون خاتم النبيين، فقد جعلت لغتها آلة تحمل شريعتها التي ستدوم ما دامت الأفلاك؛ إذ لا نبي بعده ولا دين بعد هذا الدين. 
فاكتسبت تلك اللغة المشرفة بين لهجات البشر مركزًا لا يباريها فيه لسان، من وقت أن صارت منطق الملائكة أنفسهم في السماء، وامتزجت بالكتاب المجيد امتزاج الروح بالجسد.
وقد أوتيت الأمة العربية أرقى هبات البلاغة، وأجمل صفات الفصاحة؛ لتتهيأ لقبول تلك المعجزة الباقية المستمرة ما دامت الصحف والكتب. 
تلك المعجزة التي ظهرت على يد نبي أمي لا يعرف قراءة ولا كتابة، وكانت لأئمة البيان والكلام حدًّا يقف أمامه العاقل باحترام، ويبهت أمامه المعاند بخذلان.
(وصفت العرب من قديم الزمان بالبيان والبلاغة، وقد استقصى العلماء شعراءهم، فوجدوهم يربون على شعراء سائر الأمم الأخرى مجتمعة؛ لأن الشعر سليقة عند العرب، حتى لتجد رعاة الإبل يقصدون القصائد ارتجالاً) .
لسان العرب له الاحترام الأكبر عند فحول علماء الأمم الأجنبية، فإنهم عرفوا مكانته فوصفوه بأعلى الصفات، وبذلك ارتفع قدر الأمة العربية نفسها عند من يقدر الأشياء حق قدرها.

قال القسيس الإنجليزي س. م. تزويمر وهو من كبار البروتستانت في كتابه
المشهور (جزيرة العرب. مهد الإسلام):
(يوجد لسانان لهما النصيب الأوفر في ميدان الاستعمار المادي ومجال الدعوة إلى الله وهما: الإنجليزي والعربي، وهما الآن في مسابقة وعناد لا نهاية لهما؛ لفتح القارة السوداء مستودع النفوذ والمال، يريد أن يلتهم كل منهما الآخر، وهما المعضدان للقوتين المتنافستين في طلب السيادة على العالم البشري. أعني النصرانية والإسلام).

وقال إنجليزي آخر وهو القسيس الشهير جورج بوست:
(لغة العرب تفوق كل لغة في الانتشار إذا نظرنا إلى اتساع الأقطار التي لها فيها سلطان. 
وهي تفوق أيضًا كل لغة إذا نظرنا على التأثير في مستقبل الأعمال البشرية، ولا نستثني من كل تلك اللغات إلا لغتنا الإنجليزية).

وقال أحد علماء الإنجليز المتمكنين من علوم العرب، يصف لسانهم نقلاً عن كتاب (تزويمر) المذكور آنفًا:
(إنه خالص من شوائب الدخيل، غني بنفسه عن غيره. 
وفيه مقدرة عجيبة على إيضاح المعاني وإظهار الأفكار، ومفرداته لا تحصى ولا تعد، وقواعده النحوية في غاية المتانة، وبالاختصار به يسهل عرض الموضوعات الدينية والفلسفية والعلمية، بطريقة لا تفوقها لغة إلا الإنجليزية وبعض لغات أخرى قليلة رقاها الدين النصراني في أوربا الوسطى).

ولنستشهد بكلمة لأحد الفلاسفة الظرفاء، أراد مدح المعارف الدنيوية عند أهل أوربا والصنائع اليدوية في الشرق الأقصى، فقال:
(استوى الكمال على ثلاثة أشياء: مخ الإفرنج، وأيدي أهل الصين، ولسان العرب).


حقًّا ليس للغة العرب مثيل في كمالها إذا قارناها بأخواتها، فإن قلنا: إن (العبرية) لغة مقدسة عند أهل التوراة والإنجيل، فالعربية بالقرآن أقدس. 
وبجانب فرد واحد يقرأ التوراة باحترام وتجلة، نجد مائة مسلم يتلون الكتاب المجيد حق تلاوته باحترام أعظم وإجلال أظهر. 
وإن قلنا: إن (اللاتيني) لسان العبادة في الكنائس الكاثوليكية، فلسان الإسلام أعم في مساجد المشرقين والمغربين بين أهل التوحيد جميعًا، والصلاة به متواصلة تواصل ساعات الزمن. 
ألا ترى المؤذن يدعو المؤمنين إلى صلاة الفجر في جزر الفيلبين في أقصى الشرق باللسان العربي المبين، فتتبع تكبيراته تكبيرات المئات والألوف من أهلها، يتردد صداها من مئذنة إلى مئذنة، ومن جبل إلى جبل، ومن واد إلى واد. 
فإذا قضيت صلاته في تلك الجزر، تنقل الأذان منها إلى غيرها، تنقل الفجر في مطالعه فسمعته في الصين وسيبيريا، ثم في الهند وفارس، ثم في مكة المكرمة والمدينة المنورة، والقدس الشريف والقسطنطينية المحمية، ثم في مصر المحروسة بحماية الله، ثم في تونس الخضراء، ثم في الجزائر والسودان، ثم في المغرب الأقصى، ثم يصل هذا الصوت الرخيم إلى الأوقيانوس حتى شواطئ الأمريكان في أقصى الغرب، فهكذا كلما طلع الفجر وبزغ النور قام الناس للصلاة والفلاح؛ لعبادة الخلاق العظيم الذي يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا.

مع دوران الشمس تسمع أمواج الأذان كأمواج البحر المتلاطم، تطرد الموجة
الشرقية أختها الغربية لتوقظ العباد الصالحين من نومهم العميق، فلا تفوت لحظة
من الزمن إلا وفيها لله عبادة وللقرآن ترتيل.

فإن قيل: إن اليونانية القديمة ثم اللاتينية ثم الإنكليزية أو الألمانية وكانت وما زالت آلات ومبادلة الأفكار بين الإفرنج، فإن لساننا العربي كذلك آلة كاملة
لمبادلة الأفكار والعلوم بين المسلمين في آسيا وأفريقيا وجهات أخرى كثيرة.
وإن قيل: إن لغة الفرنسيس لغة أهل السياسة في أوربا، أجبنا أن لغة العرب رابطة أقوى منها في مثل هذه الشؤون الاجتماعية؛ لأن الأمم الإسلامية جمعاء مرتبط بعضها ببعض ارتباطًا وثيقًا بواسطتها، فالعالم المسكوبي مثلاً يعرف بها شؤون أهل رأس الرجا الصالح ثم يرشد أهل وطنه. 
والعالم البوسنوي يعرف بها أحوال القطر المصري وينبه أبناء جنسه. 
والعالم الجاوي يتناول بذلك اللسان العام الجامع معلوماته عن أحوال القسطنطينية والقوقاز وفارس، وهكذا تتبادل الأفكار المفيدة.

لغة الكتاب العزيز تنشر في أنحاء المسكونة العلوم الأدبية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية والشرعية وغيرها. 
فهي الرابطة القوية والعروة الوثقى التي لا انفصام لها. 
بها تتقارب الأجناس المختلفة وتتشابه الأضداد بالتدريج في الأحكام والأخلاق والمبادئ، وبها تتساوى الناس في معرفة الشريعة الغراء، لا فرق في ذلك بين السود والبيض، والصفر والحمر. 
فهي أقوى رابطة (بروح القرآن وفي ظله) وتفوق متانة كل روابط الجنسية والوطنية وغيرها.

اللغة العربية لها الفضل على أكثر اللغات الجديدة في مشارق الأرض ومغاربها، فلو أخرجت من قواميس الأسبانيول والبرتغيز وسكان أمريكا الجنوبية والوسطى مثلاً جميع المفردات العربية، والحلى التي اكتسبتها رطانتهم من العرب، لما عرفت تلك الأمم أن تبدي فكرًا ساميًا، ولتاهت في مجاهل العي والبكم، ولعجزت الآن أن تتباهى بشعرائها وأدبائها.
وأين تكون لغة الفرنسيس أنفسهم لو جردناها من كل ما يزينها من مختلفات فصحاء الحجاز.
فما بالك باللغات الإسلامية مثل الفارسية والتركية والهندوستانية والجاوية والملايو، وغيرها من ألسنة السودان والتتار والبربر وإخوانهم. 
حقًّا لو أخرجنا المفردات العربية التي في تلك اللغات - كما يطلب ذلك بعض المتفرنجين من كتابها- لبقيت كهيكل الميت. عظامًا مفككة لا حياة فيها.


لغة العرب هي لغة المستقبل؛ لأن النبي العربي هو خاتم النبيين، فشريعته باقية إلى يوم القيامة (كما قدمنا) ، والقرآن الكريم حامل تلك الشريعة المطهرة هو السبب في بقاء اللغة العربية حية بين الشعوب؛ لأنهم لا يفهمون دينهم على وجهه
الصحيح من هذا الكتاب الكريم الأبها. 
فلذلك تموت جميع اللغات الأخرى أيًّا كانت وتبقى لغة العرب في بهائها وجمالها. 
وقد أجاد أحد علماء الإفرنج المشهورين بعلومهم الواسعة، إذ كتب قصة خيالية، فرض فيها سياحًا في أجواف الأرض تحت قعر البحر العميق وجعل هؤلاء السياح يخترقون طبقات القرى الأرضية حتى وصلوا إلى وسطها أو ما يقرب من ذلك , ولما أرادوا الرجوع إلى وطنهم فكروا في ترك أثر يحفظ ذكرهم إلى أبد الآبدين، إذا وصلت علماء الأجيال المستقبلة إلى محط رحالهم، فاتفقوا فيما بينهم أن ينقشوا على الصخور كتابة باللغة (العربية) ، هذا ولما سئل جول فرن كاتب هذه القصة، عن سبب اختياره تلك اللغة العربية.
قال: إنها لغة المستقبل ولا شك في أن يموت غيرها وتبقى هي حية حتى يرفع
القرآن نفسه، فتأمل أيها القارئ اللبيب، واعلم أن طعن الطاعنين في لغة أجدادك
الأماجد ثرثرة لا يعتد بها.

{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (الزمر: 9).
اعتاد بعض المتفلسفين من أمد بعيد الطعن في لساننا العربي الفصيح؛ لأغراض في النفس، ومنشأ هذه الأغراض: 
إما تعصب ديني طائش السهم، وإما الجشع الاستعماري الذي يعمي ويصم، فقامت في زمننا حرب عوان بين علماء الإفرنج المستشرقين؛ سببها اختلافهم في الحكم عن لغتنا باستطاعتها أو عدم استطاعتها التعبير عن الأفكار الدقيقة وتدوين العلوم المنعوتة بالحديثة، ففريق نصرها وفريق خذلها. 
فأما الناصرون لها فقد مر عليكم شيء من أقوال بعضهم، وأما الخاذلون فمنهم من رماها بالفقر المدقع في مادة التعبير، والعي المعجز عن تأدية الغرض من اللغات، وهذا ظاهر بهتانه. 
ومنهم من اعترف لها بالغنى، ولكن زعم أن غناها مفرط زاد عن الحد، وشبه أهلها برجل كثر ماله كثرة لا حد لها، فعجز عن حصره وتدبيره وفاته الانتفاع به.

هذا بعض ما رميت به لغتنا، فيجب علينا معشر المصريين أن ننهض بالعلوم القوية وبالفنون الأدبية، حتى لا يجرؤ عاقل بعد الآن إلى الحكم على لساننا المبين إلا بعد أخذ رأينا، ولا يصح أن تعطى الفتاوى الطويلة العريضة من الأجانب في أمور العربية، ونحن أحياء نرزق من غير أن يكون لنا صوت مسموع.

لا شك أن أول واجب علينا أن نعتني بلغتنا الجميلة، وأن نتفانى في حبها وخدمتها كما فعل من سبقنا في العصور الماضية من أهل الفضل والإحسان الذين تغلبوا على الشهوات، وصرفوا الأموال، وسهروا الليالي، وجابوا البلاد في التماس حرف من حروفها جهلوه، فاستفادوا وأفادوا. 
وأنتم أيها الطلبة الأفاضل، سيكون لكم شأن عظيم في القريب العاجل، فاستعدوا لذلك قبل أن تفوت الفرص.
لغتنا سلاحنا الماضي البتار في جهاد هذه الحياة، ودرع النجاة. 
فبها نحيي علوم أجدادنا الواسعة الدائرة، ونظهر كنوزهم الثمينة المدفونة في مكاتب الصين والهند والسودان، وفي أوربا خصوصًا أسبانيا والقسطنطينية، ولو لم نستخرج إلا الألفاظ الاصطلاحية العديدة التي نسيت ونحن في حاجة إليها لكفانا. 
فإن العلوم لا تفهم ولا تنشر إلا بالأسماء، وما دمنا نستعمل ألفاظًا أجنبية، فإننا لا نقدر على تعليم عامة الأمة إلا بكل صعوبة، وإن تعلمنا نحن بعد الجهد الجهيد من كتب الأجانب.
أسماء الحيوان والنبات والجماد موجود أغلبها في العربية والاصطلاحات الطبية الفلكية والفلسفية، موجودة كذلك في كتبنا، ومن الجهل أن ندعي أنها لا توجد، وكذلك مصطلحات باقي العلوم والفنون المدفونة في بطون السطور التي تركها لنا آباؤنا الأولون. 
فلا ضرورة تلجئنا لِليّ الألسنة بمعجرفات مستهجنة كما يفعل بعض المتفيهقين الثرثارين؛ في التعبير عن مصطلحات موجودة نظائرها في كتبنا.

ولا مانع من تعريب الكلمات الأعجمية الدالة على المسميات المستحدثة أو استعمالها على عجميتها عند الضرورة، كما أدخلت اصطلاحات عربية كثيرة في قواميس الشعوب الإفرنجية وغيرها.
ومن يدعي من أهل العجمة أن سيدة اللغات فقيرة، فليفتح عينيه، فإنه يجد في نفس رطانته ألفاظًا فنية متعددة أصلها عربي، وليرجع إلى الحق إن كان من أهله {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج:
46)
***
{وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً} (الفرقان: 53) لمصر مقام خطير بين الشعوب الإسلامية؛ لمكانها من ملتقى الأبحر، ولترقيها العلمي العظيم من يوم أن أيقظ محمد علي الكبير أذهان أهلها، وأنشأ بينهم المطابع التي كانت ينبوعًا صافيًا رويت بفيضه جميع الأقطار. وأزهرها المنيف له الفضل على أغلب طلاب العلوم الشرعية المنتشرين في أنحاء المسكونة فهذه (الجامعة الإسلامية) كالشمس الباهرة، يستضيء بها عباد الله المخلصون.
وتأثير مصر يزداد يومًا فيومًا في القاطنين بالأراضي المطهرة، سواء أهل مكة والمدينة أو البقاع التي بارك الله حولها، ومنها ينتقل ذكر مصر المحبوبة إلى باقي أوطان المسلمين في المشارق والمغارب.

وظيفة مصر الأدبية ستزداد أهمية في المستقبل؛ لأنها وسط عالمين إسلاميين كبيرين: 
هما العالم الأسيوي والعالم الأفريقي اللذان يريدان أن يتعانقا باشتياق عظيم
ويتحابا.
ولا يخفى أن مصرنا هي القنطرة التي تصل بين الحبيب وحبيبه، وأن لها مزايا كبيرة في هذا الشأن عند أهل الذكر.
ومن جهة أخرى، فإن قطرنا المبارك سيتخذ كوصلة تربط العالم الإفرنجي ذا المعارف المنعشة والفنون الجميلة بأمم عديدة، جمدت على ما وجدت عليها آباءها من أسباب الفوضى والانحلال.

وها هي (الجامعة المصرية) أول خطوة في ذلك الطريق السلطاني الجديد.
فماذا نعمل في وظيفتنا هذه الجديدة، هل نوصل تلك المعارف والفنون باستقلال رأي مكيفين لها حسب مبادئنا وأذواقنا الإسلامية، حتى نكون باب نعمة على إخواننا من عرب وعجم أو نكون آلة صماء تعمل حسبما تحرك، ولا تعمل إلا شرًّا، فنهيئهم لأن يصيروا فريسة سائغة وغنيمة باردة، ستؤدي وظيفتنا حسبما تكون تربيتنا، فإن حسنت التربية حسنت النتيجة والعكس بالعكس، ولا تكون التربية جيدة إلا إذا تأسست على مبادئ محمدية، ولا تكون المبادئ محمدية إلا إن استخرجناها من الكتاب العزيز، وهذا لا يتأتى إلا إذا أحطنا باللغة العربية وعرفنا أسرارها، وفقنا كل مخلوق في إظهار محاسنها وعجائبها لا أن يسبقنا علماء الأجانب، مثل: أساتذة (كمبريدج) و (لايدن) و (برلين) وغيرها، ويتركونا وراءهم تائهين في مجاهل الحواشي الثقيلة السقيمة، لاهين بما فيها من سفسطة دقيقة عقيمة.

من يخدم اللغة العربية، فإنه يخدم الإسلام، وخدمة الإسلام تؤدي إلى ترقية بني الإنسان كلهم أجمعين. 
فهل يحجم الطلبة المصريون عن جهاد علمي يكون لهم بعده الفخر الأبدي، ولمصرهم العزيزة ولجماعة الموحدين الحظ الأوفر؟
برقي اللغة العربية يسود القرآن، وتنتشر علومه، وتزيد الشعوب العربية ارتباطًا فتقوى وتترعرع، وفي آن واحد يقوى ويترعرع المجموع الإسلامي كله.
فلينظر الطلبة المصريون إلى علو مكانتهم في المستقبل وسط الأمم المختلفة. 
تلك المكانة الخطيرة التي تشبه أن تكون (رقابة أدبية عالية) شرطها الأول خدمة
لسان النبي القرشي عليه أفضل الصلاة والسلام؛ لأجل فهم كتاب الله المجيد على وجه يوصل إلى سعادة العالم بالعمل به. 
وليتدبروا كثيرًا معنى الآية الحكيمة.
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ
شَهِيداً} (البقرة: 143) .

... ... ... ... ... ... ... القاهرة في 5 جمادى الآخرة
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... محمود سالم

_______________________________________

مجلة المنار المجلد 14 / الصفحة 441

القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني


ولد سنة 529 وتوفي سنة 596

هذا هو الرجل الذي قال فيه عبد اللطيف البغدادي أحد فلاسفة الإسلام: دخلنا عليه فرأيت شيخاً ضئيلاً كله رأس وقلب وهو يكتب ويملي على اثنين ووجهه وشفتاه تلعب ألوان الحركات لقوة حرصه في إخراج الكلام وكأنه يكتب بجملة أعضائه. . . وسألني مسائل كثيرة ومع هذا فلا يقطع الكتابة والإملاء.

هو عبد الرحيم بن علي البيساني نسبة لبيسان إحدى بلاد فلسطين الملقب بالقاضي الفاضل. 
قيل أن سبب تعلمه الإنشاء ما روي له من أنه قال: كان فن الكتابة بقصر في زمن الدولة العلوية غضاً طرياً وكان لا يخلو ديوان المكاتبات من رأس يرأس مكاناً وبياناً، ويقيم لسلطانه بقلمه سلطاناً، وكان من العادة أن كلاً من أرباب الدواوين إذا نشأ له ولد وشدا شيئاً من علم الأدب أحضره إلى ديوان المكاتبات ليتعلم فن الكتابة ويتدرب ويرى ويسمع أشياء من علم الأدب. 
قال: فأرسلني والدي وكان ذا ذاك قاضياً بثغر عسقلان إلى الديار المصرية في أيام الحافظ وهو أحد خلفائها وأمرني بالمصير إلى ديوان المكاتبات وكان الذي ترأس به في تلك الأيام رجل يقال له ابن الخلال. 
فلما حضرت إلى الديوان ومثلت بين يديه وعرفته من أنا وما طلبتي رحب بي وسهل. 
ثم قال لي: ما الذي أعددت لفن الكتابة من الآلات.
فقلت: ليس عندي شيء سوى أني أحفظ القرآن الكريم وكتاب الحماسة. 
فقال: في هذا بلاغ. ثم أمرني بملازمته فلما ترددت إليه، وتدربت بين يديه أمرني: بعد ذلك أن أحل شعر الحماسة فحللته من أوله إلى آخره ثم أمرني أن أحله مرة ثانية فحللته.

وصف العماد الكاتب من كتاب الدولة الصلاحية المترجم به على طريقته في الكتابة فقال: رب القلم والبيان، واللسن واللسان، والقريحة الوقادة، والبصيرة النقادة، والبديهة المعجزة، والبديعة المطرزة: والفضل الذي ما سمع في الأوائل، ممن لو عاش في زمانه لتعلق بغباره، أو جرى في مضماره، فهو كالشريعة المحمدية التي نسخت الشرائع، ورسخت بها الصنائع، يخترع الأفكار، ويفترع الأبكار، ويطلع الأنوار، ويبدع الأزهار، وهو ضابط الملك بآرائه، رابط السلك بلألائه، إن شاء أنشأ في يوم واحد بل في ساعة واحدة ما لو دون لكان لأهل الصنعة، خير بضاعة، أين قس عند فصاحته، وابن قيس في مقام حصانته، ومن حاتم وعمرو في سماحته، وحماسته.

طريقة القاضي الفاضل هي كطريقة العماد الكاتب في الأسجاع المنمقة المحبرة ولقد استحكمت هذه الطريقة في القاضي حتى صار يكتب فيها كأنها فيه طبع لا مسحة عليها من التكلف والتعمل. 
وهي الطريقة التي نقلها العماد الكاتب الأصفهاني عن الفارسية في الغالب ولم تكن شائعة بالعربية في بلاد الشرق وقد برز فيها صاحب الترجمة حتى فاق المتقدمين. 
قال ابن خلكان: أخبرني أحد الفضلاء الثقات المطلعين على حقيقة أمره أن مسودات رسائله في المجلدات والتعليقات في الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد وهو مجيد في أكثرها.

وكثيراً ما يقع للفاضل عبارات تكاد تكون من دلائل الإعجاز على بيانه، ومن أسرار البلاغة التي يسمو بها على أقرانه. 
مثل قوله في صفة قلعة شاهقة ويقال أنها قلعة كوكب: وهذه القلعة عقاب في عقاب، ونجم في سحاب، وهامة لها الغمامة، عمامة، وانملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة.

ولقد نال القاضي الفاضل الحظوة من صلاح الدين يوسف بن أيوب بإنشائه حتى أنه لم يكن وزير الإنشاء عنده بل مدبر أمور مملكته وله من الدالة ما للولد على الوالد أو الوالد على الولد حتى استشاره السلطان يوماً في الحج فلم يسمح له.
وقال له: أن رفع مظلمة عن أهل وادي الزبداني أفضل من الحج إلى بيت الحرام على ما جاء في كتاب الروضتين في تاريخ الدولتين النورية والصلاحية. 
وفي هذا التاريخ من أحواله وانموذجات من إنشائه تدل على ماله من المنزلة السامية في قلب السلطان صلاح الدين والمكانة من تدبير أمور مملكته ودولته.

وكان القاضي يعمل الخيرات ولم تشغله مصالح الدولة عن النظر فيها وإقامة معالمها وحبس الأوقاف على وجوهها النافعة وإكرام العلماء والأدباء قصاده من أقطار البلاد الإسلامية في عصره. 
كل هذا وكان في وقته متسع لطلب العلم ومذاكرة أهله وخطب ودهم وقربهم. 
وناهيك بأشغال تقتضيها أمور الدولة على ذاك العهد المحفوف بالمخاوف والفتن.

واستمرت حال القاضي على ما كانت عليه زمن الملك الناصر صلاح الدين عند ولده الملك العزيز وكان يميل إليه في حياة أبيه. 
ولما توفي العزيز قام ولده الملك المنصور بالملك بتدبير عمه الملك الأفضل نور الدين وتوفي أول دخول الملك العادل أبو بكر بن أيوب إلى الديار المصرية وقد نال بصناعة الإنشاء ما عز نيله على المحدثين والقدماء ولسان حاله ينشد لابن مكنسة الإسكندري وكثيراً ما كان يرددهما.
وإذا السعادتك لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان
واصطد بها العنقاء فهي حبائل ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان


محمد كرد علي

المقتبس العدد 5 - بتاريخ: 22 - 6 - 1906

الثلاثاء، 13 يونيو، 2017

قراءة في كتاب حاضر العالم الإسلامي (مجلة المنار)


الكاتب: محمد رشيد رضا
___________________

المطبوعات الحديثة

(كتاب حاضر العالم الإسلامي)

لو كان المسلمون يُعنون بمعرفة شئون أنفسهم، ويبحثون عن أسباب تغييرهم لما كان بأنفسهم من عقائد وفضائل ومعارف، وما أعقبها من تغيير الله تعالى ما كان بهم من نعم السيادة والسلطان والعزة والقوة كما يعنى بذلك علماء الإفرنج - لما وصلوا إلى هذه الدركة من الضعف والهوان.
قد أتى على الشعوب الإسلامية قرون متتابعة وهم يتدهورون من قنة إلى هوة، كما تتدهور الجلاميد من شماريخ الذرى، لا ندري من حطها من علٍ إلى أسفل، وتتحول من عزة إلى ذلة، ولا تعلم لم تتحول.


{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} (آل عمران: 179) فقد قيض بفضله للمسلمين من يوقظهم من سباتهم، ويرشدهم إلى تغيير ما بأنفسهم الآن من أسباب التردي على علم وبصيرة، كما غيروا من قبل ما كان بأنفسهم من أسباب الترقي عن جهل وغفلة، ولكن طرأت عليهم في أثناء هذا الإيقاظ فتنة التفرنج فلبستهم شيعًا، وفرقتهم طرائق قددًا، فقد أفسد ساسة الإفرنج وملاحدتهم جبلاً كثيرًا من أبناء المسلمين، كانوا أضر عليهم من سائر أعدائهم في الدنيا والدين، فهم يضلون المسلمين ويخدعونهم عن دينهم ودنياهم، من حيث يوجد في أحرار الإفرنج من يرشد المسلمين إلى ما فيه صلاحهم وفلاحهم، بما يعنون به من تمحيص الحقائق في شؤونهم لذاتها، أو ليستفيد أقوامهم منها.

أمامنا الآن ونحن نكتب هذا كتابان يشغلان مسلمي مصر وسيشغلان سائر البلاد الإسلامية التي يصلان إليها.

(أحدهما) كتاب (الإسلام وأصول الحكم) الذي رأى القراء في الجزء الماضي ويرون في هذا الجزء شيئًا من بيان مفاسده، وأنه لرجل متخرج في الجامع الأزهر وقاضٍ شرعي في بعض المحاكم المصرية، هو أضر على المسلمين من كل عدو.

(والثاني) كتاب (حاضر العالم الإسلامي) وهو لعالم إفرنجي هو أنفع للمسلمين من كثير من أفرادهم الناصحين، دع متفرنجتهم الملاحدة المفرقين، ألا وهو العلامة البحاثة (مستر لوثروب ستودارد) الأمريكي الذي زاد به شهرة على شهرته، ألفه بلغته الإنكليزية وسماه (العالم الإسلامي الجديد) فراج في أمريكة وأوربة رواجًا عظيمًا، وطبع مرارًا متعددة، ونقل إلى أشهر اللغات الغربية والشرقية، وقرظه كبار الكتاب، وأعجبوا بدقة بحثه وسعة اطلاع صاحبه.
ونقله إلى لغتنا العربية عجاج أفندي نويهض أحد أبنائها البررة المجيدين لها وللُّغة الإنكليزية؛ ليُطلع هذه الأمة على أصح ما كتب في وصف حالها، أدق من عرف من علماء الفرنجة بحثًا عنها، وأعد لهم حكمًا لها وعليها، وأصدقهم قولاً فيها، وذكر أن المحققين من العلماء الغربيين شهدوا له بهذه الصفات عند تقريظ كتابه هذا.

ترجم الكتاب وعرض ترجمته على كاتب العصر - كما قال بحق - الأمير شكيب أرسلان الشهير، وطلب منه أن يكتب له مقدمة تليف به ففعل، بل أجاب السائل بأكثر مما سأل، وله في ذلك أسوة حسنة [1] ولكنه أربى في الكرم، فوضع على الكتاب حواشي وذيولاً يصح في وصفها قول العرب: على التمرة مثلها زبدًا، بل تُربي على صحائف الأصل عدًّا، ولعلها مدت مادته بضعفيها مدًّا، فهي بطولها واستطرادتها تضاهي الحواشي الأزهرية، ولا غرو فروح الأمير العلمية والأدبية، أغلب عليه من روحه الاقتصادية والاجتماعية، فإنه لو جعل هذه الحواشي كتابًا مستقلاً لكان أليق بمقامه وأجدر بإفادتها من جعله إياها تابعة لغيرها، ولكان له منها ربح مالي يزيد على ربح الكتاب الأصلي، بل ربما زاد عليه موشى وموشحًا بها أيضًا، فإن أكثرها موضوعات مستقلة بنفسها، وما فيها من إيضاح لبعض غوامض الكتاب أو استدراك عليه هو أقلها، ولكنه على ما يظهر من معرفته لقدر نفسه، وعلى ما يقول بعض حساده أو مكبري فضله من إعجابه بها، كثيرًا ما يهضمها، ويضعها تواضعه دون ما رفع الله من قدرها، ومن ذلك ظنه أن جعل هذه الحقائق الثمينة ذيولاً لترجمة هذا الكتاب أحرى باستمالة الناس إلى مطالعتها، كأنه لم يشعر بأنه أشهر من صاحب الكتاب لدى قراء العربية، ولم يستشعر أن الثقة به في شؤون الإسلام أقوى من الثقة بذاك عند جميع الشعوب الإسلامية، وغيرهم من الشعوب الشرقية، وكثير من علماء البلاد الغربية وإننا نكتفي الآن بذكر عناوين فصول الكتاب، وأهم عناوين الحواشي لتعريف قراء المنار قيمتها.

- أما موضوع الكتاب ومواده فهي مودعة في مقدمة وتسعة فصول وخاتمة لا يستغني مسلم يهمه أمر أمته وملته عن الاطلاع عليها.
المقدمة (في نشوء الإسلام وارتقائه وانحطاطه) وقد أنصف فيها الإسلام بالثناء عليه، وبيان أصول الإصلاح والهدى المودعة فيه، فتكلم في ذلك كلام عليم خبير منصف، وبين ما أصاب المسلمون بهدايته وما أصابهم بتركها وأسباب الارتقاء وأسباب الانحطاط في الحالين بما تعطيه فلسفة التاريخ وأصول علم الاجتماع للمطلع على تاريخ الإسلام القديم والحديث، والواقف على عقائده وآدابه بالإجمال.
ولكن كلامه فيها لم يسلم من الخطأ في مسائل يتوقف تحقيق الحق فيها على علم استقلالي واسع في العقائد الإسلامية والفرق المختلفة فيهم، فهو على إدراكه لطهارة العقائد والآداب الإسلامية وموافقتها للفطرة البشرية والعقل السليم، ولعدالة التشريع الإسلامي وإصلاحه اللذين جحدهما الشيخ علي عبد الرازق - ولكون العرب كانوا أجدر الشعوب بفهم تلك المزايا لحريتهم وطباعهم السليمة غير المضطربة بتقاليد الأديان التي كان قد أفسدها الزمان - وعلى جعله هذين الأمرين- التعاليم الإسلامية والفطرة العربية - هما الأساس والعلة الأولى لنجاح الإسلام ومدنيته , وعلى إدراكه أن الأعاجم المبلبلة قلوبهم وعقولهم بالتقاليد الموروثة لم يفهموا الإسلام كما فهمه العرب، وأن تغلبهم على الخلفاء وسلبهم لسلطان العرب كان علة العلل للانحطاط الذي تلا ذلك بالارتقاء , هو على إدراكه لكل ما ذكر - قد اختلط عليه الأمر عند المقابلة بين أهل السنة ومتبعي النقل، والمعتزلة الذين حكموا العقل.

علم أن الإسلام دين العقل والفطرة، فظن أن المعتزلة الذين أرجعوا كل شيء في الدين إلى أصول العقل هم الذين استمسكوا بجوهر الإسلام ولبابه الصحيح، وأن خصومهم المحافظين الذين ذهبوا إلى أن النقل والسنة مقياس كل شيء في الدين، هم الذين جهلوا جوهر الإسلام، وظن أن الذين دخلوا في الإسلام، وقد أشربوا في قلوبهم الدين البيزنطي القديم (وأمثالهم من الذين فهموا الإسلام بمرآة أديانهم وتقاليدها؟) قد كانوا من زمرة أهل السنة والنقل؛ لما اعتادوا من التقليد، وأنهم هم الذين أولوا القرآن والأحاديث النبوية تأويلات بعدت بها عن سهولتها وبساطتها قال: (فنتج من ذلك أن أصيب الإسلام بمثل ما أصيبت به النصرانية في الأجيال المظلمة، من تلبيس الدين عقائد غير عقائده، ونسبة الآراء الدينية الجافة إليه وهو براء منها، فلا غرو إذا اشتد الخلاف واتسعت شقته وطال عهده بين الذين اعتصموا بالسنة والنقل، فقاسوا عليهما، وبين الذين جعلوا العقل نفسه مقياسًا لكل شيء) .

ثم زعم أن عقيدة السنة هي التي غلبت على العقل كما كان متوقعًا، وأن تاريخ السنة والتقاليد إنما هو تاريخ السير نحو أدوار الاستبداد وعواقبه المشؤومة.
لم يفرق المؤلف بين السنة والنقل في الإسلام وبين التقاليد في الأديان الأخرى وهي عبارة عن العقائد والشعائر الموروثة عن الآباء والرؤساء والمعلمين، والحق الواقع أن كل ما ذكر من الفساد في الإسلام إنما كان من بدع الذين حكموا عقولهم أي آراءهم النظرية في الدين، وأنهم هم الذين حولوا الإسلام عن بساطته المعقولة الموافقة للفطرة، وهم الذين كانوا السبب في إدخال البدع وضلالات الأديان القديمة وسخافاتها وخرافات الوثنية في الإسلام بالشبهات النظرية التي سموها دلائل عقلية، والأقيسة الشيطانية فيما لا مجال للقياس فيه من عقائد الدين التي لا مأخذ لها إلا الوحي، ومن الأحكام الثابتة بالنص.
أهل السنة والجماعة هم الذين كانوا يجمعون قداسة الدين وسهولته من تطرق بدع الأديان والآراء الفلسفية والشعرية إليها، لتحذير النبي صلى الله عليه وسلم أمته منها، فمنهم من منع القياس في أمور الدين مطلقًا، ومنهم من قال: إن القياس جائز في غير الأمور الاعتقادية والتعبدية، وقصره بعضهم على الأحكام القضائية والمدنية والسياسية.

وكان من بدع المعتزلة دعوتهم إلى القول بخلق القرآن، وحملهم بعض خلفاء العباسيين الذين اتبعوا نحلتهم بحمل المسلمين على ذلك بالقهر والاضطهاد، وقد آذوا به خلقًا كثيرًا من أهل السنة من أجلهم قدرًا إمام الأئمة أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - فقد ضربوه ضربًا مبرحًا، وداسوه بأرجلهم ليقول بقولهم، فامتنع أن يقول: هو مخلوق أو غير مخلوق، احتجاجًا بأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يأمروا بذلك ولم يقولوا به، فيسعنا ما وسعهم، ولا نعرف ديننا إلا عنهم، ولو أجزنا مجاوزة نصوص الوحي وتفسير السنة له بآرائنا العقلية تزول الوحدة ونتفرق شيعًا كما تفرق من حذرنا الله أن نكون مثلهم.

ومبتدعة الشيعة الفاطميين، بل زنادقة الباطنيين كانوا يعتمدون في ترويج بدعهم على الفلسفة اليونانية، وهم الذين ابتدعوا في مصر احتفالات الموالد التي لا تزال مشوهة للإسلام وسبة للمسلمين، والإسلام بريء منها، وملوك الأعاجم وأمراؤهم هم الذين ابتدعوا جعل القبور مساجد، وكانوا سبب تقديس الجاهلين لها بل عبادتهم إياها، كما فعل أهل الكتاب قبلنا، وحذرنا نبينا من فعلهم، إذ قالت السيدة عائشة - رضي الله عنها - في سبب لعنه صلى الله عليه وسلم للذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد: يحذر ما صنعوا - كما في صحيح البخاري، ولا يزال المدافعون عن هذه البدع يحتجون لها بنظريات يسمونها عقلية كوجود الأرواح، وجواز قضائها أو حملها الخالق تعالى على قضاء الحاجات، ولا يوجد دليل نقلي علي شيء من هذه البدع والخرافات.

من الأسف أن البدع التي يسمونها نظريات عقلية هي التي غلبت على السنة حتى أفسدت على المسلمين دينهم ودنياهم خلافًا لما قاله المؤلف، ولو اتبع الناس الإمام أحمد وأمثاله لما زادوا في الدين شيئًا ولا نقصوا منه شيئًا، ولصرفوا ذكاءهم وجهدهم في العلوم والفنون الكسبية التي تفيدهم وترفع شأنهم، ولم يخلطوا بالدين ما ليس منه.

ألم تر أن مؤلف الكتاب يعد الدعوة الوهابية إصلاحًا في الدين وإرجاعًا له إلى أصله الطاهر، وهل الوهابية إلا الوقوف بالدين على صراطه المستقيم. 
الكتاب والسنة الصحيحة - ورد جميع ما ابتدع فيه سواء استحسنته العقول أم لا، وهل للعقول قاعدة أو حد تقف عنده في هذه الأمور؟ أليس لعباد الأوثان فلسفة دينية، وشبهات نظرية يسمونها دلائل عقلية؟ بلى، ويكفينا هذا في بيان غلط المؤلف في هذه المسألة.

ولنعد إلى موضوعات الكتاب فنقول:
الفصل الأول في اليقظة الإسلامية. وهو في الجزء الأول.
الفصل الثاني في الجامعة الإسلامية. وهو في الجزء الأول.
الفصل الثالث في سيطرة الغرب على الشرق. ج 2.
الفصل الرابع في التطور السياسي. وهو في الجزء الثاني.
الفصل الخامس في العصبية الجنسية. وهو في الجزء الثاني.
الفصل السادس في العصبية الجنسية في الهند. وهو في الجزء الثاني.
الفصل السابع في التطور الاقتصادي. وهو في الجزء الثاني.
الفصل الثامن في التطور الاجتماعي. وهو في الجزء الثاني.
الفصل التاسع مع الخاتمة في القلق الاجتماعي والبلشفية.

وأما موضوعات حواشي الأمير شكيب أرسلان فهي في بيان أحوال مسلمي العصر العامة الحديثة وبعض القديمة، تكلم عن مسلمي الصين وجاوة وما جاورها والهند ومسلمي الروسيا في عهد البلشفية الحاضر وشرقي أفريقية والحبشة وماداغسكر وجزائر القومور وريف المغرب الأقصى والفلبين.
تكلم عن مسلمي هذه البلاد وغيرها بما يهم كل مسلم يهتم بأمر المسلمين أن يعلمه، ولا سيما علاقتهم بأوربة ومن سيادتها عليهم ومحاولتها لتنصيرهم، وله في أذيال الجزء الأول فصول تحت عنوان (الإسلام والجنود السوداء) منها (لمحة على حالة الإسلام الحاضرة) ومنها فصل في (الإسلام الأسود) وفصل في (الإسلام عند السنغاليين) ، ويلي ذلك (خلاصة) سياسية لهذه الفصول وما قبلها في شؤون المسلمين وأوربة، فيها من الحقائق التاريخية والعبر السياسية ما يعز أن يصدر مثله عن غير الأمير شكيب.

ويليها فصل في (الجنس الأسود والإسلامية) ، ففصل (في الإسلام في أفريقية) وما يلاقيه من مهاجمة الاستعمار ودعوة النصرانية - ففصل في (الرسالات البروتستانية في أفريقية) ، ففصل (في نهضة الإسلام في أفريقية وأسبابها ووسائل دعوتها من سنة 1790-1900) .
ويلي ذلك الكلام في الطرق الصوفية في أفريقية: القادرية والشاذلية والتيجانية والسنوسية، ويتبع الكلام في الأخيرة ترجمة بعض كبار شيوخها وجدول في أسماء زواياها في ست صفحات بالحرف الصغير (جسم 12) .
ويلي ذلك فصل في (مجاري الدعوة الإسلامية في أفريقية) ففصل في (الصراع بين الإسلام والنصرانية، وأيها الغالب في أمر المدنية) ويليه خلاصة لما تقدم في هذا الموضوع كله.
ومن موضوعات هذه الحواشي والذيول فصول في الإصلاح والمصلحين، وزعماء الإسلام المجددين، منها الكلام عن الوهابية وزعيمها العلمي الشيخ محمد عبد الوهاب وزعمائها الأمراء آل سعود (ومنها ترجمة حكيم الإسلام وموقظ الشرق السيد جمال الدين الأفغاني وشيء من ترجمة الأستاذ الإمام، وأشكر له حسن ظنه أن قرن اسمي باسم أستاذنا) ومنها ترجمة بطل الإسلام والعرب في هذا العهد (الأمير محمد عبد الكريم) ، وتراجم زعماء جمعية الاتحاد والترقي التركية: أنور باشا وطلعت باشا وجمال باشا إلخ.
وكلام عن بعض الفرق والطرق القديمة والحديثة كالمعتزلة والخوارج والبكطشية والبابية والبهائية والاشتراكية والبلشفية والأحمدية القاديانية. 

وجملة القول أن مؤلف هذا الكتاب من أعلم كتاب الفرنجة بشؤون المسلمين، فإن لم يكن أعلمهم بها فهو أجدرهم بتحري الحقيقة وبيانها، وإن واضع الحواشي والذيول التي هي كتاب آخر هو أجدر كتاب العرب بالجمع بين تاريخ الإسلام والمسلمين وبين علاقة أوربة بهم وسياستها فيهم، وأقدرهم على بيان ذلك وأحرصهم على النصح فيه، نعم إنه يوجد من يساويه ومن يفوقه في بعض فروع هذا التاريخ وشعب هذه المسائل، ولكنا لا نعرف أحدًا يضاهئه في معرفة جملتها وتفصيلها، ولا في مزية حسن البيان لها، وقد بلغنا أنه طالع وراجع عند كتابة هذه الحواشي عشرات من الكتب الحديثة التي ألفت بأشهر اللغات الأوربية، ولم يعتمد على حفظه واختباره، فقد اجتمعت في هذا الكتاب خلاصة معارف الغرب والشرق الخاصة بحال المسلمين السياسية والدينية والاجتماعية الحاضرة والمستقبلة، فهو يغني في بابه عن كثير من الكتب والجرائد والمجلات وهي لا تغني عنه، وسننقل للقراء بعض النماذج منه.


طبع الكتاب بالمطبعة السلفية بمصر (سنة 1343) على ورق جيد بنوعين من أصغر حروف الطبع، فالأصل بحرف 18 والحواشي والذيول بحرف 12، فدخل في جزئين يزيد كل منهما على 400 صفحة، وثمن النسخة منهما مجلدة بالقماش المتين 85 قرشًا من الورق الجيد، و60 من ورق دونه، وهو يطلب من مكتبة المنار، ومن مكتبة المعارف بمصر، ومن طلب إرساله بالبريد فليرسل أجرته وهي خمسة قروش صاغ.

***


(الإسلام وأصول الحكم، بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام) كتاب جديد ألفه الشيخ علي عبد الرازق الحامل لشهادة العالمية من الجامع الأزهر وأحد قضاة المحاكم الشرعية، حاول فيه أن يثبت أن الإسلام ليس له حكومة ولا دولة ولا سياسة ولا قضاء، وأنه لا ينبغي أن يكون له ذلك، وأن ما ورد في القرآن الحكيم والسنة النبوية من الأحكام القضائية، والمعاملات السياسية والحربية كان تنفيذه والحكم به خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم، من حيث إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى لم يكلف المسلمين أن يلتزموا تلك الأحكام من بعده، وليس لأحد من أمته أن يخلُفه في إقامة حدود الله وتنفيذ أحكام شريعته، وانتحال أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - للقب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان باطلاً، وإن اتفق عليه العلماء وأهل الحل والعقد من الصحابة - رضي الله عنهم - فإنهم ما فعلوا ذلك إلا خدعة سياسية؛ لإخضاع العرب وغير العرب لملكهم، وأن حكومتهم كانت في الواقع ونفس الأمر لا دينية، وأن كل ما قاله المسلمون في الخلافة الإسلامية والحكومة الدينية باطل لا يقوم عليه دليل، وإنما يقوم الدليل على أنه لا بد للناس من حكومة مهما يكن شكلها ولو اشتراكية بلشفية، وأن حكومة الخلافة كانت شرًّا وإذلالاً للمسلمين، وخلاصة الكتاب أن المسلمين ليس لهم تشريع إسلامي سياسي ولا مدني ولا قضائي، وأن الدين ترك لهم ذلك ليرجعوا فيه إلى أحكام العقل وتجارب الأمم، فيباح لجميع المسلمين ولكل شعب منهم أن يختار لنفسه ما شاء من أنواع الحكم إلا شكل الخلافة والنيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إقامة ما ورد في الكتاب والسنة، وما جرى عليه الخلفاء الراشدون من الحكم الإسلامي.

فهذا الكتاب شر مما كتب جميع أعداء الإسلام لهدم الإسلام وتمزيق شمل جامعته الدينية والدنيوية، يدعو المسلمين إلى الارتداد عن دينهم، ويبيح لهم عصيان الله تعالى ورسوله فيما أمرا به ونهيا عنه، وتوعدا على عصيانه بعذاب الله تعالى , فهو مخالف لما لا يُحصى من النصوص القطعية المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة، ولا خلاف بين أحد من المسلمين في كفر من يجحد شيئًا من ذلك، وقد كتبت أربع مقالات في التفنيد الإجمالي لهذا الكتاب، نشرت الأولى منهن في الجزء الماضي، وهي ما كتبته قبل قراءة الكتاب كله، وضاق هذا الجزء عن نشر شيء آخر منها.

يقول مؤلف هذا الكتاب أنه ألفه في مدة عشر سنين متقطعة لا متصلة؛ وذلك لأنه حاول إبطال الحق الصريح الذي هو أوضح من الشمس ببعض التخييل الشعري والسفسطة، فتكلف كثرة التفكير في الشبهات التي تقيه ما هو متوقع له من التكفير، وكان جل مادته فيه بعض كتب الإفرنج التي كتبوها في الخلافة، وكتاب (خلافت وحاكميت ملية) الذي كتبه بعض علماء الترك لإقناع مسلميهم بما فعلته حكومة أنقرة الجمهورية من إلغاء الخلافة والفصل بين الدين والحكومة، ومن بعض كتب التاريخ والأدب والكلام، ومن العجيب أن يكون من مادته مع ما ذكر مثل كتاب الأغاني وكتاب العقد الفريد، ولم يكن منها صحيح البخاري ولا صحيح مسلم، ولا موطأ مالك، ولا مسند أحمد، ولا شيء من كتب السنن! وماذا يفعل بالصحاح والسنن من يريد هدمها والاستغناء بكتب الإفرنج عنها؟
قامت قيامة علماء الأزهر وغيرهم من أهل الدين احتماء على المتجرئ على هذه الضلالة والإهانة للإسلام والمسلمين كافة، وقام في تجاههم بعض الإفرنج والملاحدة والمرتدين ينصرون داعيتهم ويناضلون دونه، وكان لسان حماة الإسلام جريدة (اللواء والأخبار) الإسلامية، ولسان أنصاره وحماته جريدة (السياسة) وبعض الجرائد الإفرنجية، والتزم بعض الجرائد العربية الحياد، واختار بعضها الذبذبة والنفاق، وإنما تكأة أنصاره في الدفاع عنه ما يسمونه (حرية الرأي) ولكنهم يحتكرون هذه الحرية له ولأنفسهم، ويحرمونها على رجال الدين، فالمدافعون عن الإسلام والمبينون لحقيقته يتهمون عندهم بالاعتداء على حرية الرأي المقدسة في القانون، وأما المهاجم للإسلام الداعي لهدم تشريعه، المهين لجميع المسلمين من الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين فله عندهم أن يقول ما يشاء فيهم، وليس لهم أن يقولوا فيه شيئًا! !

ولم أقرأ له ولأنصاره مقالة ولا عبارة في إثبات شيء من مقاصد الكتاب ولا في تخطئة شيء مما فنده المنتقدون منها، لم يتجرأ أحد ممن قرأت كلامهم على ذلك إلا محامٍ اسمه (أحمد مصطفى) قال أنه قرأ الكتاب كله، وأنه مؤمن بما فيه، وبأنه {لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} (فصلت: 42) فهو عنده قد سلب القرآن ما وصفه الله تعالى به من عصمته، ولا يمكن أن يريد أنه شاركه في هذه الصفة؛ لأنه مخالف له وناقض لجميع أحكامه السياسية والمدنية والشخصية، فإذا كان القرآن هو الحق المعصوم من الباطل كما وصفه الله تعالى فلا يمكن أن يكون مخالفه - ككتاب الشيخ علي عبد الرازق - إلا باطلاً، فأيهما يختار ذلك المحامي.

وقد طبع الكتاب سنة 1343 بمطبعة مصر على ورق جيد بشكل جميل في صورته ووضعه بقدر ما هو قبيح في معناه وموضوعه، وبيعت النسخة منه بعشرة قروش، والظاهر أن نسخه نفدت بكثرة الخوض فيه مع قلة المطبوع منه، فإنه ألف نسخة فقط.

__________

(1) هذه إشارة إلى ترجمة آخر أبواب كتاب العلم من صحيح البخاري (باب من أجاب السائل بأكثر مما سأل) وهو النبي صلى الله عليه وسلم.

مجلة المنار المجلد 26 / الصفحة 223

تقديم لكتاب حاضر العالم الإسلامي (مجلة الرسالة)

الكتب

حاضر العالم الإسلامي

تأليف لوتروب ستودارد الأمريكي
ترجمة الأستاذ حجاج نويهض وتعليق الأمير شكيب أرسلان

لنا في كل يوم مثل جديد ينهض دليلا قاطعا على أن النهضة الفكرية الحديثة جادة لا هازلة، قوية لا تعرف الخور، ثابتة الأصول لا يخشى على بنائها من الزلل والسقوط، فهي نهضة تستمد الوحي من ماضيها الناصع المجيد، ثم لا تقف عند ذلك راثية باكية، إنما هي تتخذ من ذلك الماضي عدة. وعماداً لمستقبل تنظر إليه بعين يملأها الأمل، وقلب يحدوه الرجاء. وأن نهضة لا تقيم صرحها فوق هام ذلك العماد الركين، لهي هباء يسبح في الهواء، لا يتصل بالأرض ولا يرتفع إلى السماء. لأنها عندئذٍ تكون هائمة في عزلة زمنية، لا تعرف لشوطها مبدأ ولا نهاية، كما يخبط ذو السبيل الجائر في بيداء موحشة مقفرة، يرى الموت جاثماً في أحضان كثبانها أنى سار.
وإنا نضرب لك مثلاً أوروبا حين قامت تنفض عن نفسها غبار القرون الوسطى ونهضت تشيد حياة جديدة زاهرة، فلم تنشئ جديداً من عدم، ولا هي أولت القديم ظهرها مزدرية له ناقمة عليه، بل نظرت إلى الوراء قبل أن تبدأ السير إلى الأمام، واستلهمت التاريخ - تاريخ الإغريق والرومان - لتستقي من معينة الدافق ماء الحياة التي تريد.
من أجل هذا، يحق لنا أن ننظر إلى نهضتنا نظرة فيها ثقة ورجاء، لأننا نلاحظ فيما نلاحظ اتجاهاً إلى تاريخ العرب والإسلام، يزداد سعة وشمولاً في اطراد لا ينقطع، وأقل ما يقال في هذا الاتجاه، أنه يشحذ الهمم الخامدة، ويهدي نهضتنا سبيلاً سواء.
فبين يدي الآن مجلدات أربعة، كتبت في حاضر العالم الإسلامي، ألفها الكاتب الأمريكي لوتروب ستودارد ثم نقلها إلى العربية الأستاذ حجاج نويهض وفيها فصول وتعليقات وحواش مستفيضة عن دقائق أحوال الأمم الإسلامية وتطورها الحديث بقلم الأستاذ الكبير والمجاهد العظيم الأمير شكيب أرسلان، وقد يظن القارئ - وله عذره في هذا الظن - أن الكتاب المترجم هو الأصل، وأن ما كتبه الأمير شكيب حواش متناثرة هنا وهناك، ولكن الواقع نقيض ذلك، فالفصول المترجمة لا تتجاوز خمس المقدار، وأربعة الأخماس الباقية هي حواش للأمير، وأنه ليخيل إلي أن كتاب لوتروب أتخذ تكأة لنشر هذه الفصول الكثيرة القيمة التي دبجتها يراعة الأمير شكيب أرسلان في شئون المسلمين والإسلام.
فأما الفصول المنقولة إلى العربية التي استأثرت بعنوان الكتاب فهي تسع كلها بحث دقيق في حالة الشعوب الإسلامية في العصور الحديثة، فهو يحدثك في تحليل ممتع عن اليقظة الإسلامية، والجامعة الإسلامية وسيطرة الغرب على الشرق، والتطور السياسي، والعصبية الجنسية والتطورين، الاقتصادي والاجتماعي، ثم يختم فصوله يبحث فيما يسود تلك الشعوب من قلق يدفعها إلى الثورة والانقلاب.
أما حواشي الأمير فليس إلى حصرها من سبيل، وكلها شيق ممتع ولكنها - عندي - قد خرجت بالكتاب عن وحدته وتجانسه، بل خرجت بالكتاب عما يجب أن تكون عليه الكتب من تركيز في موضوع بعينه، وأدنته من دوائر المعارف التي من شأنها أن تجمع بين دفاتها شتيتاً من ضروب العلم والمعرفة، وهو يعترف بذلك في المقدمة إذ يقول عن هذا الكتاب أنه لم يصل بعد إلى الدرجة المنشودة من السعة والشمول، وانه يرجو أن تتسع يوماً ما حتى (يصح أن يقال أن في اللغة العربية إنسيكلوبيديا إسلامية أشبه بموسوعات العلوم التي عند كل أمة من الأمم الراقية التي يقتدي بها) ثم يستطرد فيحفز همة الحكومات لوضع تلك (الإنسيكلوبيديا فيقول (وهذا الأمر وهو وضع معلمة إسلامية وافية ضافية لا يجوز أن يغيب عن نظر الحكومات الإسلامية التي تبغي الفلاح، وتنشد الرقي والطيران إلى النجاح بجناح. . .)
ومهما يكن من أمر هذه الفوضى في التأليف لا نطمئن إليها ولا نرضاها، فهو كتاب جليل القيمة كبير النفع، ويجدر بنا أن نقتبس لتقديمه إلى القراء عبارة الأمير التي صدر بها الكتاب (أما كتابنا هذا في أجزائه الأربعة فأنه يجوز أن يقال إنه معلمة إسلامية صغيرة، بل هو في المباحث الجغرافية والتاريخية والإحصائية عن أقطار الإسلام النائية وبقاعة المجهولة فذ في بابه، وكذلك يمتاز هذا الكتاب بالمباحث السياسية التي قيض لمحررها أن يعلمها. من عين صافية، وأن يقف على الرواية الوثقى منها بطول خبرته، وقرب سنده، واستمرار مزاولته لهذه الأمور 47سنة، وفيه بعد تراجم وأخبار، لم يسجلها كتاب ولا جرى بها قلم، فلا يجدها الناشد في غيره إذ هي نتيجة مشاهدات الكاتب وما رآه بالعين وما سمعه بالأذن، وما كان له فيه أخذ ورد. وعلى كل حال ففي هذا الكتاب من الطريف ما لا يسع إنكاره الجاحد، ولا يضير مراء الحاسد. ولا شك في أن الأمة الإسلامية الناهضة إلى تجديد تاريخها، النازعة إلى النماء بجميع فروعها وشماريخها، ستتفطن إلى كل ما يعوزها من هذه المقاصد الجليلة، ومن جملتها تأليف المعلمة الكبرى التي هي من ضرورات رقيها وأشراط نموها).

زكي نجيب محمود

مجلة الرسالة العدد 43 - بتاريخ: 30 - 04 - 1934

الأربعاء، 24 مايو، 2017

حقائق عن الغزو الفكري للإسلام

الأستاذ أنور الجندي

هناك مجموعة من الحقائق التي تكشفت أخيراً بعد أن انهارت مخططات التغريب والغزو الثقافي في العالم الإسلامي وبعد أن أوشكت جولة هذا الباطل تسربل بالعلم والبراعة واللمعان الخاطف أن تنطفئ وتنهار.
وكان حقاً علينا أن نتعرف على هذه الأمور حتى لا تخدعنا مرة أخرى حين يحاول النفوذ الأجنيب أن يغير جلده أو يعاود خداعه أو يحاول تجديد أساليب مكره.
ونحن نعرف أن هذا النفوذ الأجنبي الذي يحاول أن يحتوي أمتنا وفكرنا هو مجموعة من المؤتمرات التي يحكيها النفوذ الأجنبي والصهيوني والماركسي، وأنه بدأ بصيحات متعددة:
هي صيحة لويس التاسع وصيحة غلادستون وصيحة كرومر، وصيحة اللورد اللنبي وصيحة كامبل وهي صيحات خمس يجب أن نعيها ونتعرف عل هدفها.


أم لويس التاسع فإنه بعد أن هزم في الحملة الصليبية السابعة التي تحطمت أمام المنصورة وأقتيد وهو قائدها أسيراً حتى يفتدي نفسه وسجن في بيت لقمان.
هذا الرجل المهزوم الأسير كتب في مذكراته يقول: "لقد تبين لنا بعد هذه الجولة الطويلة أن هزيمة المسلمين عن طريق الحرب مسألة مستحيلة لأنهم يملكون منهجاً محكماً يقوم على الجهاد في بيل الله ومن شأن هذا المنهج أن يحول دون هزيمتنا عسكرياً ولذلك فإن على الغرب أن يسلك طريقاً آخر، هو طريق الكلمة، الذي يقوم على نزع الفتيل من هذا المنهج وتفريغه من القوة والصمود والبسالة، وذلك عن طريق تحطيم مجموعة من المفاهيم بتأويلها أو التشكيك فيها".
هذه الوصية كانت أساس الخطة التي قام بها الغرب من بعد عن طريق إنشاء مؤسستي التبشير والاستشراق وإثارة الشبهات حول مفهوم الإسلام الأصيل الجامع دنيا ودولة وعقيدة وشريعة وأخلاقاً، ومن ثم كانت محاولات الاستشراق تدور كلها حول تحويل الإسلام إلى دين لاهوتي عبادي منفصل عن الحياة منتزع من ميادين الاقتصاد والاجتماع والسياسة والتربية.


ولما كان القرآن هو مصدر هذا المنهج الرباني الأصيل الذي ما هزم المسلمون إلا عندما تغافلوا عنه أو حاولوا التماس غيره فإن صيحة غلادستون في مجلس الهموم البريطاني كانت تمثل حقيقة الفهم الاستعماري الإنجليزي - وإنجلترا إذ ذاك إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس - حين وقف وهو ممسك بالمصحف يقول: "إنه لا أمل في إخضاع المسلمين ما دام هذا الكتاب باقياً في الأرض".
وكان هذا إشارة مضاعفة للعمل على إثارة الشبهات حول القرآن وعقيدته وشريعته على النحو الذي عرفناه من قراءة تاريخ التبشير والغزو الثقافي.


ثم جاء كرومر الذي أمضى ربع قرن كامل وهو الحاكم الفعلي لمصر ليبني - كما قال في تقاريره الرسمية ومذكراته - جيلاً جديداً من المتفرنجين الذين يوالون الحضارة الغربية والحاكم الأجنبي ويقبلون التعامل معه ويؤمنون بأن هذه البلاد لا تنجح إلا إذا سارت في طرق الحضارة الغربية.
وكان من ثمرة عمل كرومر: لطفي السيد الذي أعلن عداءه للعروبة وللإسلام وللعالم الإسلامي ودعا إلى الإقليمية المصرية الفرعونية. وطه حسين الذي قال: أننا يجب أن نأخذ الحضارة الغربية حلوها ومرها وخيرها وشرها وما يحمد منها وما يعاب.


ثم جاءت صيحة أشد نكراً هي صيحة اللورد اللنبي: الذي كانت دولة بريطانيا قد خدعت العرب بوعود إنشاء دولة عربية إذا هم عاونوهم في الحرب العالمية الأولى فلما فعلوه كان جزاءهم احتلال بلادهم.
فاحتل الفرنسيون سوريا ولبنان واحتل الإنجليز الأردن والعراق وفلسطين وظهر وعد بلفور الذي أعطى اليهود وطناً قومياً في فلسطين.
ثم جاء اللورد اللنبي ليقف ويقول: اليوم انتهت الحروب الصليبية. وهو يعني أن الجيوش التي هزمت وآخرها بقيادة لويس قد عادت بعد ثمانمائة سنة مرة أخرى إلى هذه البلاد منتصرة ومنهية للحروب الصليبية على نحو آخر.


وإذا كانت هذه الخيوط يمكن أن تعطي المثقف المسلم صورة حقيقية للخلفيات لواقعنا في مواجهة النفوذ الأجنبي فإن هناك قصة أخرى وصيحة أخرى للوزير كامبل وزير خارجية بريطانيا 1907 م.
فقد توصل هذا الرجل إلى أن الحضارة الغربية وهذا النفوذ الاستعماري الضخم للدول الغربية قد دخل في مرحلة الأفول ولكنه أراد أن يجمع علماء العالم ومفكريه ومؤرخيه لوضع خطة تقول:
إذا كانت هذه هي نهاية الحضارة الغربية فمن الذي سيخلف بريطانيا والغرب، فأعلن المؤتمرون: أن المسلمين هم المستخلفون لأنهم أهل المنطقة أولاً، ولأن لهم من عقيدتهم منهج محكم يمكنهم من استعادة بناء الحضارة الإسلامية، هناك جرى التفكير حول خطة للحيلولة دون تمكن المسلمين والعرب من امتلاك هذه الإرادة وتأخير هذه الجولة ما أمكن وجرى البحث حول السبيل الذي يمكن الغرب المنهار بحكم انتهاء جولته من استبقاء نفوذه وتأخير قيام النهضة الإسلامية في بلادها، قال دهاة السياسة ودهاقين الاستبداد والاستعمار:
عليكم أن تغرسوا جنساً غريباً عن هذه الأمة في المنطقة الواقعة بين أفريقيا وآسيا حتى يحول دون امتدادها ويفصل بينها، هنالك تقدم اليهود وقالوا: نحن العنصر الغريب العازل.

ومن هنا بدأت مؤامرة الصهيونية في فلسطين وإلى يوم آخر بعيد.


هذا هو منطلق اليقظة الإسلامية إلى معرفة التحديات التي تواجه الأمة، فإذا أضفنا إليها مثلاً تقرير اللورد كرزون ضعيف ما دام العامة يتعلمون اللغة العربية الفصيحة لغة القرآن كما في الوقت الحاضر ولا يتعلمون اللغة العربية الدارجة لأن نسبة اللغة المصرية الدارجة إلى لغة القرآن كنسبة الإيطالياني إلى اللاتيني واليوناني الحديث إلى اليوناني القديم وعربية الفلاح لغة قائمة بنفسها وقواعدها خاصة بها فإذا لم تؤخذ هذه الاحتياطات يستمر الجيل الجديد مثل سابقه غير حاصل لخدمة وطنه وتظل عبارة مصر للمصريين كما كانت اسماً بلا مسمى".
هذا هو الاتجاه الواضح للنفوذ الأجنبي نحو القرآن واللغة العربية والهدف هو قطع اللغة الحية عن القرآن ومن ثم يصبح مجهولاً ويقرأ بقاموس وتموت العربية ويموت القرآن ويذهب الإسلام.
هذا القرآن هو الذي أزعجهم، رمى به غلادستون وقال عنه كرومر أنه يؤخر التقدم ودعا كرزون إلى العامية وجاء بعد ذلك ماسينون ليدعو إلى الكتابة بالحروف اللاتينية.
وتوالت نذر التغريب وتجمعت سحبه في أفق الفكر الإسلامي لاحتوائه والقضاء على ذاتيته وخصائصه، فقالوا نابليون أيقظ الشرق، وكذبوا فإن الذي أيقظة الشرق هو محمد بن عبد الوهاب وصالح المؤمنين الذين ارتفعت صيحتهم بالعودة إلى المنابع.
وعمل الغزو الفكري في ميدان الثقافة والتعليم حتى أن 50 ألفاً من أبناء المحظوظين يتعلمون بمدارس الإرساليات كل عام ويملأون عقولهم وقلوبهم بمفاهيم مسمومة مغلوطة صاغتها قوى متآمرة من المستشرقين والمبشرين والماسون والعلمانيين والوثنيين لهدم هذه القوة التي تقف في وجه الفكر البشري الضال كله وهي الإسلام.
وقد صنع النفوذ الأجنبي تلك المحاولة الخطيرة التي أسموها التغريب والتي استهدفت تحطيم مقومات الإسلام الأساسية وإثارة الشبهات حول مقومات الفكر الإسلامي التي تتمثل في الأصول الأساسية:
القرآن والسنة وهما منهج الإسلام في بناء المجتمع وقد اتهم الدين بالجمود والعجز عن متابعة الحضارات وهو مصدر التقدم في العالم.
اللغة العربية بإعلاء شأن العاميات والحروف الأعجمية وإتهامها بأنها لغة عاجزة عن الاستجابة للتطور إذ أنها لغة دينية.
سيرة الرسول وتاريخ الإسلام بإثارة الشبهات حول وقائعه.
الحضارة الإسلامية وإنكار فضلها على الحضارة المعاصرة واتهامها بأنها حضارة غير أصيلة وإسقاطها في مجال تطور الحضارة الإنسانية.
الأدب العربي وإخضاعه لمقاييس جديدة واحدة تجرده من أصالته الإسلامية.
التراث الإسلامي والغض من قدرة ومحاولة إحياء الجوانب المتصلة بالفكر الشعوبي والوثني والفكر الصوفي الفلسفي.
التاريح الإسلامي ومحاولة تزييفه وإثارة الشبهات حوله واتهامه بأنه مليء بالثغرات.
كذلك جرى العمل على الحيلولة دون استئناف المسلمين حياتهم أو بناء مجتمعهم على أساس إسلامي وذلك بإثارة الثغرات القومية والإقليمية والتشكيك في العقيدة وإيجاد الفرق والنحل الهدامة، وتركيز المفاهيم العلمانية والمادية وصرف الأمة عن وجهتيها التي سارت عليها أربعة عشر قرناً والقضاء على خصائصها ومحو مآثرها وتحقير ماضيها وإفساد حاضرها، وخلق جديد منهزم مفتون بالغرب وأباطيله ومفاهيمه.


ولا ريب أن أولى مطالبنا هي الأصالة الفكرية: هذه الأصالة القادرة على فرز كل ما لا يتلاءم مع روح التراث وترك كل ما هو دخيل ثم الدرة على الانفتاح على الفكر الإنساني والتطور العلمي في يقظة ووعي كاملين بحيث نأخذ الوسائل وحدها لا تستطيع أن تقدم شيئاً ذا بال أو تعطي إضافة بناءة صحيحة إذا لم تكن مرتبطة بالأصالة وبوجود الأمة وحقيقة رسالتها وهدفها، وإن التطلع إلى التقدم العلمي والتكنولوجي لن تكون له فائدة إيجابية إذا لم يصدر عن إيمان أكيد بجذور الأمة الأولى الحقيقية وأن يتحرك في داخل إطار فكرها وقيمها. كذلك فإن الحوار مع الفكر العالمي يجب أن يتم في داخل إطار "الأمانة" التي تحمل لواءها الأمة الإسلامية للبشرية كلها دفعاً إياها إلى الحق وحجزاً لها عن الشر.
إن أبرز معالم الإسلام هو التكامل بين أعماق القلب ومجرى الفكر، وإقامة مبدأ التعاون بديلاً لمبدأ الصراع، وتقدير لقاء الأجيال بوصفه أصدق من صراع الأجيال والاعتقاد بأنه ليس بين الإنسان والطبيعة صراع ولكنها محاولة سيطرة واهتداء إلى النفع بها.
ولا ريب أن السنة الجامعة هي البوتقة الناصعة التي انصهرت فيها كل الثقافات والنحل والدعوات التي طرحت في فلك الفكر الإسلامي فاستصفتها السنة وحررتها من شبهاتها وأخذت عصارتها الطيبة فضمتها إلى كيانها.
فالسنة هي النهر الكبير والمذاهب والفرق روافد منه وقد صهرت السنة خير ما في الكلام والاعتدال والتصوف والتشيع في مضمونها الجامع الذي يستمد حقيقته ووجوده من المفهوم القرآني الأصيل.
وقد وقف الإسلام أمام الفكر اليوناني الوافد كما وقف أمام غنوص الشرق، موقف العداوة والبغضاء كاشفاً عن وجوده الخلاف بين ذلك كله وبين مفهوم التوحيد الخالص.
كذلك فقد رفض الإسلام التطور على حساب الأصالة.
ورفض التقدم على حساب التضحية بالجذور والقيم الإسلامية.
كما رفض تضحية القيم العليا في سبيل التقدم المادي ولم يخضع مفاهيمه للحضارات وأهواء الأمم، وليس في المناهج والأيديولوجيات شيء لامع إلا وعند المسلمين ما هو مثله أو خير منه وهو في الغرب مقطوع الصلة بالله ولكنه في الإسلام متصل الحلقات وهو في الفكر البشري انشطاري ولكنه في الإسلام جامع متكامل.
إن العودة إلى المنابع هي صيحة المسلمين في كل أزمة وكلما أدلهمت الأحداث وأحاطت الأزمات، كانت دعوة الغزالي وابن حنبل وابن حزم وابن القيم وابن عبد الوهاب.



وفي ضوء هذا كله نجدنا في حاجة إلى استيعاب الحقائق الآتية:
أولاً: إن انطلاق المسلمين والعرب على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن أن يتم بدون الارتكاز على قاعدة أساسية تكون هي المصدر والمنطلق ونقطة البدء ونقطة النهاية: هذه القاعدة ليست سوى المنهج الأصيل الذي قدمه الإسلام لبناء المجتمع.
وعلى المسلمين اليوم أن يفهموا الإسلام فهم الصدر الأول له وهو أصح فهم: قوة خالقة من وراء الإنسان والإنسان مستخلف في الأرض عن الله الخالق مسئولية، وجزاء وتعاليم أخلاقية تطبع الحياة والحركة والمجتمع. الإنسان فرد ولكنه جزء من المجتمع.
ولا يزال الجسم الإسلامي يرفض العضو الغريب ولا يزال الكيان الإنساني يرفض الجسم الغرب.
العقيدة وليست اللغة هي علامة بقاء الجماعة فإذا زالت العقيدة زالت الجماعة وانحلت وانقرض وجودها.
كان التأويل من أخطر الأسلحة التي استعملت النصوص تفسيراً يخرجها من مدلولاتها الأصلية إلى مدلولات منحرفة ولقد حذر القرآن من هذا الخطر.


ثانياً: نحن ندرس الفلسفة ولكن نعتقد أن الفكر الفلسفي ليس هو الفكر الإسلامي ونؤمن بأن الفكر الإسلامي قرآني المصدر.
نحن لا تهزنا صور البريق وخاصة براعة البيان إلا إذا كان صاحبه يصدر عن منطلق القرآن وهدي الإيمان ويخشى الله ويبتغيه.
وقد يكون هناك نظريات لامعة تخدع العقل أو تعجب البسطاء وهذه نحذرها لأنها ليست إلا من هوى النفس ومطامع الذات.


ثالثاً: قطع الإسلام الامتداد الفكري والثقافي بين ما قبل الإسلام وبعده: قطعه عن العرب أولاً ثم عن كل مكان ذهب إليه وقد ذهب إلى قلب آسيا وأفريقيا فنزعها تماماً من عبودية ألف سنة لليونان والرومان ثم قطع امتداد العبودية الفرعونية والفارسية والقيصرية للإنسان وقطع امتداد الوثنية في العالم كله وأطلق العقل البشري من قيوده التي كانت تأسره حول المعابد ورفعه إلى اعتقاد بحياة أخرى وراء هذه الحياة.
إن الثقافة التي قدمها اليونان والرومان والتي استمرت ألف سنة قبل أن يجيء الإسلام قد تلاشت تماماً بعد أقل من قرن من دخول الإسلام وقام على الزمن حقيقة واقعة هي الانقطاع الحضاري.
عندما تشتد المحن والأزمات على المسلمين أن يعودوا إلى المنابع الأولى وأن يلتمسوا أصول الإسلام قبل ظهور الخلاف من أصوله القرآنية وأن تؤمن بأن كل ما انحدر إلينا من الماضي ليس إسلاماً كله فكثير منه وضعه شعوبيون وفلاسفة وملاحدة وأن بين الحق والباطل هوى النفس والظن فإذا تغلب الهوى استخدم العقل لتبرير الفاسد من الأمر والتمس الرخص وفارق العزائم وآثر السلامة على المعاناة.


رابعاً: ليس الإسلام ديناً روحياً ولا مذهباً مادياً، ولكنه يجمع بين المعنويات والماديات في تناسق عجيب. وهو حين يرفض روح النسك بمفهوم الرهبانية واعتزال الحياة يرفض في نفس الوقت روح التحلل والإباحية والانطلاق بغير قيود ويقيم نظام الحياة في المجتمع في إطار من الضوابط والحدود يحول بينها وبين الارتطام والانهار.


خامساً: طبع الإسلام حياة العرب والمسلمين في الماضي ولا يزال يطبعها وسيظل يطبعها إلى مئات السنين ولذلك فإن كل حركة فكرية أو اجتماعية في التاريخ الحديث تتجاهل هذا الواقع البديهي فهي تتجاهل الإطار الطبيعي الذي يجب أن ينشأ ضمنه والأساس العملي الذي يجب أن تستند إليه، إنه يجب أن يكون في داخل الإسلام لا خارجه.


سادساً: جاء الإسلام ظاهرة مستقلة عن فعل البيئة. وكذلك جاءت النبوات فهي لم تخضع للتفسير المادي للتاريخ ولم تكن ذات علاقة بردود فعل لظروف الحضارات أو أحوال الأمم (ويخطئ من يقول أن الإسلام جاء بعد أن ضعفت الروم والفرس) أو أنه جاء نتيجة انقلاب في نظم الانتاج أو انبثاقاً من واقع اقتصادي.
ولا يمكن تفسير حروب الإسلام وفتوحه تفسيراً اقتصادياً أو القول بأنها كانت من أجل الفقر أو رغبة في الحصول على المغانم.
لقد أسقط الإسلام منطق التفسير المادي للتاريخ الذي يحتم انبثاق كل انقلاب سياسي من انقلاب مناظر في نظام الانتاج وعلاقاته.
لقد جاء الإسلام من البداية مقرراً المساواة في الغرض وضمان حد الكفاية للفرد وتحقيق التوازن الاقتصادي بين الفرد والمجتمع.


سابعاً: ليست هناك صلة بين المذاهب الاجتماعية والحقائق العلمية: الحقائق العلمية لا تثبت إلا في المعامل أما المذاهب الاجتماعية فهي نظريات من صنع عقول أو تخطئ وتصيب.


ثامناً: لقد كان الإسلام عاملاً أساسياً في كل حركات التحرر التي قامت بها الشعوب المستعبدة في عصرنا وقد انطلقت النضالات الوطنية من تحت رأيه الجهاد في سبيل الوطن وكان الإسلام في هذه النضالات رمزاً للمقاومة الروحية والثقافية ضد الاحتلال والاستعباد.


تاسعاً: لقد انحسرت تلك الموجة الضالة التي حاولت أن تلتقط النصوص من السنة أو التراث لدعم وجهة نظر الغزو الثقافي.. وتبين أن كثيراً من النصوص التي أريد بها تأييد الديمقراطية أو الاشتراكية أو تحديد النسل ليست صحيحة.


عاشراً: فليحذر المسلمون اليوم وهم على الطريق لامتلاك أدوات الحضارة المادية وتراثها التكنولوجي والعلمي والميكانيكي أن تستوعبهم هذه الحضارة او تحتويهم في إطار الفكر الغربي الانشطاري للعناصر وعليهم أن يبدأوا من نقطة التوحيد والإيمان بالإخاء الإنساني والعدل والرحمة.


حادي عشر: إن بدايات النصر ومطالع الفجر يجب أن لا تخدع المثقفين وتخلق فيهم طمأنينة زائفة مستسلمة أو تصرفهم عن المثابرة والإصرار على تأكيد الخط الرباني الصحيح وتوسيد الطريق القرآني الأصيل وتثبيت الخطأ على الطريق المستقيم إلى الغاية الكبرى.


ثاني عشر: بالرغم من كل الضربات التي وجهت للمسلمين خلال القرن الرابع عشر فإن عددهم قد تضعفت إلى أن بلغ المليار على امتداد الكرة الأرضية كلها.
لقد تأخرت التجربة الإسلامية لتستعلن بعد أن فشلت كل التجارب يئس المصلحون العلمانيون.


ثالث عشر: لقد أصبح المسلمون يملكون الطاقة والثروة والتفوق البشري وهم على أبواب استيعاب تكنولوجيا العلم بحيث يستطيعون استغلال مساحات واسعة من الأراضي وقدرات هائلة لم تستغل بعد، لقد جاء دور عالم الإسلام بعد أن نضبت آبار الغرب وثرواته ومصانعه التي عملت بخامات المسلمين أربعة قرون أو يزيد، وسوف تكون حضارة الإسلام متميزة بطابع العدل والرحمة والإخاء الإنساني، إن المسلمين اليوم ينتقلون من عصر اليقظة إلى عصر النهضة مروراً بمرحلة الرشد والأصالة والحفاظ على الشخصية والتماس المنابع.


رابع عشر: لا نقول قدمت أفغانستان: الفارابي وأين سينا أو قدمت فارس: الغزالي وأبو حنيفة: فالحقيقة أن الإسلام هو الذي قدمهما. وعندما يتحدث الكتاب عن الفوارق بين العقليات الفرنسية والإنجليزية والألمانية بينما هي مسيحية الأصل نجد أن للمسلمين عقلية واحدة موحدة في بلاد المسلمين جميعاً تشهد أصولها من التوحيد وجماع الروح والمادة.


خامس عشر: في مجال الدعوة إلى الحوار يجب الحذر فإن المسألة مرحلية والرأسمالية هي المسيحية. وإنهم يأخذون المسلمين ليكونوا (ردياً) للمسيحية في محاربة الشيوعية. والمعروف أن عداء المسلمين عداء قديم. ولكنها محاولة للاستفادة من الإسلام لخدمة الرأسمالية.


سادس عشر: أربع شخصيات ليست هي شخصيتنا الحقيقية:
المصرية الفرعونة، العربية قبل الإسلام، اليونانية، الأوروبية الحديثة.
سابع عشر: من الخطأ وصف الإسلام بأنه ثورة، ذلك أن الإسلام إصلاحاً لبيئة أو لعصر ولا جاء رداً على ظروف اجتماعية في القرن السابع الميلادي وليس مذهباً ولا نظرية ولكنه رسالة السماء الخالدة التي تختلف عن الأيديولوجيات والفكر البشري.


ثامن عشر: المفهوم النقي للإسلام، القرآني المصدر..
استقامة الفكر مع استقامة الخلق وطهارة الباطن مع طهارة الظاهر ونقاء الوجه مع نقاء السريرة.
هذه الشخصية التي لا تطمح إلى شيء من متاع الدنيا وعاشت فقيرة وكانت تستطيع لو أرادت أن تحصل على الكثير ولقد عرض عليها الإغراء فأبت ورغبت فيما عند الله.


تاسع عشر: فهم الغربيون الإسلام منذ وقت مبكر، فهما أشد عمقاً من فهمنا فهموه على أنه منهج حياة ونظام مجتمع، ومن ذلك قول جوردون تشايلنن (في كتابه ماذا حدث في التاريخ) كثير من الناس يعرفون الإسلام كدين من الأديان ولكن قلما يفهمه كحركة من الحركات ولذلك يمكننا أن نختصر هذه الحقيقة في العبارة الآتية: الإسلام دين عجيب بين أديان العالم فهو يجمع بين الدنيا والدين.



كتب ومقالات أنور الجندي - الموسوعة الشاملة

ضرب من الفروسية في اليابان


للأستاذ صلاح الدين المنجد

يجد الباحث في فروسة اليابان وتقاليدها أفانين لذيذه تفيض بالبطولة والنبل والإباء، تهز المرء حتى ليحسب أنها من عمل الخيال الرائع والتصوير البارع والوصف الجميل.
فإذا تأملتها علمت بأن اليابانيين قوم قدسوا الشرف في مغالاة ومقتوا الذل بأنفة، ولم يصبروا على ضيم يراد بهم أو هون يساق إليهم.
وحسبك أن تعلم بأن الفروسة عندهم معناها الشرف والذود عنه والموت في سبيل بقائه طاهراُ، ودفع كل ما يشين المرء ويعيبه؛ فلضربة بسيف في عز خير عندهم من لطمة أو شتيمة في ذل.
فإذا طعن الياباني في شرفه، فلديه أمران لا مَدْفع لهما: قتل من أهانه، أو قتل نفسه.

ولعل أروع مثال لذلك أمر القائد العظيم (نوجي) الذي كان له - كما يقولون - روغان الثعلب وختل الذئب ووثبة الأسد، والذي أوتي النصر في موقعه (بور - آرثر) على الروسيين ففض حرمتهم وأوهن بأسهم وظهر عليهم، فأدهش الغرب ورجاله، وملك على فتيان اليابان قلوبهم، والذي يسمونهم (بصاحب الربع ساعة) لقوله: (الحرب صبر ربع ساعة).
وقصة هذا القائد طريفة غريبة فيها بطولة وشمم، وفيها إباء وشجاعة، فلقد استيقظت اليابان ذات يوم على تذراف الدموع وتصعيد الزفرات، وقد وجم الناس وانتشر الأسى وأعلن الحداد لموت ابن الآلهة الميكادو (موتزو - هيتو) الذي دفع باليابان الحديثة إلى ذروة المجد وجعلها أمة ذات بأس وقوة، يخشاها الغرب ويفرق منها.
وبينما الناس في حزنهم غارقون، فوجئوا بنبأ آخر كان على الشباب والجنود أشد هولاً.
فلقد أعلنت الصحف أن الجنرال (نوجي) منقذ اليابان من الروسيا قد قتل نفسه. . فطفق الناس يسأل بعضهم بعضاً عن سر انتحاره، وهو ازدهار مجده وتألق سعده، وحسبوا يومئذ أن ذلك كان حزناً على الميكادو.

على أن بعضهم ما زالوا يتسقطون أسراره ويستطلعون أخباره حتى علموا بأن (نوجي) كان في ماضيات أيامه تلميذاً في مدرسة حربية، فكلمه أستاذ له ذات يوم بما يهينه ويشينه. . . وما هي إلا ساعات حتى عزم على قتل نفسه ليتقي العار وسوء المقالة، لأن نظم المدرسة تمنع الانتقام من أساتيذها، وكان له صديق من العائلة المالكة، أخلص له وأحله من نفسه محلاً رفيعاً، فأخبره بما عزم عليه وطلب منه أن يشهد الانتحار>
وللانتحار في اليابان طرائق وتقاليد.
فالرجل الذي يريد قتل نفسه يطعن صدره إلى جانب القلب بخنجر حاد، فإذا تدفق الدم تقدّم منه صديق مخلص له ممن أوتوا النبل والشرف، فيضرب عنقه أمام المذبح بين روائح البخور الشذىّ.

وطلب (نوجي) من الأمير أن يضرب عنقه إذا طعن صدره؛ وكان الأمير ذا شأن وسلطان فمنعه عن الانتحار.
وكان مما حدّثه به يومئذ: (عش لليابان يا صديقي. . . فما ينبغي لك أن تقتل نفسك ووطننا بائس يعوزه الشباب. لقد أهنت وعليك أن تموت، ولكني أقبل الإهانة، أنا الأمير ابن الآلهة، لنفسي وما عليك بعد ذلك. ابق يا صديقي وعش لليابان!).
وصدع نوجي بالأمر. وتصرمت أعوام فأضحى الأمير إمبراطوراً وأصبح (نوجي) أعظم قائد عرفته اليابان الفتاة، فيشتهر بالمغامرة والبطولة ويذيع صيته ويتردد على الأفواه اسمه وتستفيض شهرته ويدحر جيوش الروسيا ويكسب المعارك ويصبح المثل الأعلى للفتيان.

وظلت الإهانة عالقة بالإمبراطور طوال حياته. . . ولا بأس عليه منها وهو ابن الآلهة التي تغفر لمن تشاء، وتعذب من تشاء وترضى عمن تشاء، فلما قضى الميكادو نحبه عادت الإهانة إلى (نوجي) فلم يطق العيش ذليلاً. . . فأمر أن تشعل الشموع، وأن يحرق البخور، وجثا تحت قدمي الإله، وأغمد الخنجر في قلبه على مهل، فتدفق دمه الفوار. . . وتقدم صديق له فضرب عنقه، وهو يبتسم راضياً مطمئناً؛ فقد أنقذ الشرف، وابتعد عن العار.
ومات (نوجي) بعد أن تخطى الستين من العمر، رضي البال مثلوج الفؤاد لأن ذلك أدعى لطيب الذكر، وخلود الاسم.

مجلة الرسالة
العدد 315 - بتاريخ: 17 - 07 - 1939

الشنتو



ما كادت صيحة النوردبين تهدأ في ألمانيا بعد طرد اليهود منها حتى ارتفعت في اليابان صيحة تشبهها في النعرة والتغني بالمحتد وتأليه الأرومة والتبرؤ من الانتساب إلى الصينيين في العنصر، والادعاء بأنهم (أي اليابانيين) سلالة مستقلة لا عن الصين فقط بل عن جميع البشر، لأنها منحدرة مباشرة من الآلهة. . .!

وهذه دعوى عريضة جديدة، كان الناس يضحكون من قدماء المصريين واليونانيين حين ادعوها. .
وقد اتسعت آفاق الشنتويزم فشملت ديانة اليابانيين ووطنيتهم وفدائيتهم ومذاهبهم السياسية والاجتماعية، وتغلغلت في جميع مرافقهم الحيوية. . من عنابر المصانع. . . إلى رمال الصحراء التي يقرءون في صفحتها الغيب. . .
ومهما حاول اليابانيون التبرؤ من منشئهم فالثابت هو أنهم مزيج من المغول والآينو وأقوام البحار الجنوبية.

كما أن الألمان ليسوا من سلالة نوردية خالصة، وكما أن اليهود ليسوا شعب الله المختار .


مجلة الرسالة
العدد 249 - بتاريخ: 11 - 04 - 1938